وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (وَساءَ سَبِيلًا) قَالَ اللَّيْثُ: «سَاءَ» فعل لازم وَفَاعِلُهُ مُضْمَرٌ وَ «سَبِيلًا» مَنْصُوبٌ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الْفَاعِلِ، كَمَا قَالَ: (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) [النِّسَاءِ: 69] وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقُبْحِ ثَلَاثَةٌ: الْقُبْحُ فِي الْعُقُولِ، وَفِي الشَّرَائِعِ وَفِي الْعَادَاتِ، فَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً إِشَارَةٌ إِلَى الْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ، وَقَوْلُهُ: (وَمَقْتًا إِشَارَةٌ إِلَى الْقُبْحِ الشَّرْعِيِّ، وَقَوْلُهُ: (وَساءَ سَبِيلًا إِشَارَةٌ إِلَى الْقُبْحِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَمَتَى اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْوُجُوهُ فَقَدْ بَلَغَ الغاية في القبح واللَّه أعلم.
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(26)
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .
مَعْنَاهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالتَّكْرِيرُ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ لَنَا هَذِهِ التَّكَالِيفَ، وَمَيَّزَ فِيهَا الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنَا وَتَحْلِيلَهُ لَنَا مِنَ النِّسَاءِ فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ كَانَ الْحُكْمُ أَيْضًا كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ،
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى يَهْدِيكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قبلكم في بيان ما لكم فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ كَمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ، فَإِنَّ الشَّرَائِعَ وَالتَّكَالِيفَ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي نَفْسِهَا، إِلَّا أَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ فِي بَابِ الْمَصَالِحِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَهْدِيكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ لِتَجْتَنِبُوا الْبَاطِلَ وَتَتَّبِعُوا الْحَقَّ.