قلنا: هو مجاز عن المستقرّ المستلذ المستطاب، جريا على المتعارف بين الناس؛ لأنّ بلاد الحجاز شديدة الحرّ؛ فأطيب ما عندهم موضع الظل؛ فخاطبهم بما يعقلون ويفهمون، كما قال عزّ وجل: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 62] وليس في الجنّة طلوع شمس ولا غروبها، فيكون فيها بكرة وعشيا؛ لكن، لما كان في عرفهم تمام نعمة الغذاء وكمال وظيفته أن يكون حاضرا مهيأ في طرفي النهار عبّر عن حضوره وتهيئته بذلك.
[167] فإن قيل: كيف قال: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) [النساء: 69] ، وهذا مدح لمن يطيع الله والرّسول، وعادة العرب في صفات المدح الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، وهذا عكسه لأنّه نزول من الأعلى إلى الأدنى! قلنا: هذا ليس من الباب الذي ذكرتموه؛ بل هو كلام المقصود منه الإخبار عن كون المطيعين لله ورسوله يكونون يوم القيامة مع الأشراف والخواص. ثمّ، كأنّ سائلا سأل، من الأشراف والخواص، ففصّلوا له، زيادة في الفائدة، بعد تمام المعنى المقصود بالذّكر، بقوله: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [النساء: 69] ؛ وأتى في تفصيلهم بذكر الأشرف فالأشرف والأخصّ فالأخص، إذ هو الغالب في تعديد الأشراف والخواص، كما في قوله تعالى:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59] ، وقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 18] ، الآية. والدّليل على أنّ المراد من الآية الإخبار جملة لا تفصيلا، أنّه لمّا علّم عباده أن يسألوه هذا المعنى أرشدهم إلى طلبه مجملا بقوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 6، 7] .
[168] فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) [النساء: 76] وقال، في كيد النساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: 28] ؛ ومعلوم أن كيد الشّيطان أعظم من كيد النسوان؟