[153] فإن قيل: لمّا قال: (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: 23] ، ثم قال في آخر الآية: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) [النساء: 24] ، علم من مجموع ذلك أنّ الرّبيبة لا تحرم إذا لم يدخل بأمّها؛ فما فائدة قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) [النساء: 23] .
قلنا: فائدته أن لا يتوهّم أن قيد الدّخول خرج مخرج العادة والغالب لا مخرج الشّرط كما في الحجر.
[154] فإن قيل: كيف قال، في نكاح الإماء: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [النساء: 23] ؛ والمهر ملك المولى؛ وإنّما يجب تسليمه إلى المولى لا إلى الأمة؟
قلنا: لمّا كانت الأمة وما في يدها ملك المولى، كان أداؤه إليها كأدائه إلى المولى.
الثاني: أنّ معناه: وآتوا مواليهنّ أجورهنّ، بطريق حذف المضاف.
[155] فإن قيل: كيف قال: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) [النساء: 25] ؛ وجوزا نكاح الأمة ثابت من غير خوف العنت عند بعض العلماء؟
قلنا: فيه إضمار، تقديره: ذلك أصوب وأصلح لمن خشى العنت منكم. فيكون شرطا لما هو الأرشد والأصلح، كما في قوله تعالى: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) [النور: 33] .
[156] فإن قيل: كيف قال: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) [النساء: 26] والإرادة إنّما تقرن بأن يقال: (يريد أن يفعل، وقال الله تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) [النساء: 28] ؟
قلنا: قد ورد في الكتاب العزيز اللّام بمعنى أنّ كثيرا؛ قال الله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: 15] . وقال الله تعالى: (وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [الأنعام: 71] ، وقال تعالى، في موضع آخر: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) [الصف: 8] ، فكذلك هذا.
[157] فإن قيل: كيف خصّ التّجارة بالذّكر، في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29] ؛ مع أنّ الهبة، والصدقة، والوصيّة، والضّيافة، وغيرها، تقتضي الحلّ أيضا، كالتجارة؟
قلنا: إنّما خصّها بالذّكر، لأنّ معظم تصرّف الخلق في الأموال إنّما هو بالتّجارة؛ أو لأنّ أسباب الرّزق أكثرها متعلق بها.