قالوا: فالمراد به أنّ الرّجل ربما رمى امرأته بتهمة ليتوصّل بذلك إلى أن يأخذ منها مهرها ويفارقها. وقيل: المراد به إنكاره أن لها مهرا في ذمّته.
[150] فإن قيل: كيف قال: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، وَلا تَنْكِحُوا) [النساء: 22] ؛ نهى عن الفعل المستقبل، وإلّا ما قد سلف ماض، فكيف يصحّ استثناء الماضي من المستقبل؟
قلنا: قيل إنّ إلّا، هنا بمعنى بعد، كما في قوله: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) [الدخان: 56] . وقيل: هو استثناء من محذوف تقديره: فإنّكم تعذّبون به، إلّا ما قد سلف. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: إنّه كان فاحشة إلّا ما قد سلف.
[151] فإن قيل: كيف قال: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) [النساء: 22] بلفظ الماضي، مع أنّ نكاح منكوحة الأب فاحشة في الحال وفي الاستقبال إلى يوم القيامة.
قلنا: كان تارة تستعمل للماضي المنقطع كقوله: (كان زيد غنيّا، وكان الخزف
طينا، وتارة تستعمل للماضي المستمر المتّصل للحال، كقول أبي جندب الهذلي:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمّر حتّى ينصف الساق مئزري
أي وإنّي الآن، لأنّه إنّما يتمدح بصفة ثابتة له في الحال، لا بصفة زائلة ذاهبة.
والمضوفة بالفاء: الأمر الّذي يشفق منه، والقاف تصحيف. ومنه قوله تعالى: (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) [الأحزاب: 40، 27] . وما أشبه ذلك.
وما نحن فيه من هذا القبيل؛ وسيأتي الكلام في كان، بعد هذا، إن شاء الله، في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) [النساء؛ 103] .
[152] فإن قيل: كيف قال: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) [النساء: 23] ؛ قيّد التّحريم بكون الرّبيبة في حجر زوج أمّها، والحرمة ثابتة مطلقا، وإن لم تكن في حجره؟
قلنا: أخرج ذلك مخرج العادة، والغالب لا مخرج الشّرط والقيد؛ ولهذا اكتفى في موضع الإحلال بنفي الدّخول، في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) [النساء: 23] ، فتأمل.