{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ}
أي: كشأنه في خلقه من غير أب وقوله تعالى: {خَلَقَهُ} أي: آدم {مِن تُرَابٍ} جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثَمَّ أب ولا أم فكذلك حال عيسى.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم؟
أجيب: بأنَّ مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأنّ الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟
قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى قال فحزقيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة أنفس؟
قيل ثمانية آلاف فقالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
ومعنى خلق آدم من تراب أي: صوّر جسده من تراب {ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن} أي: أنشأه بشراً بأن نفخ فيه الروح كقوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}
وقوله تعالى: {فَيَكُونُ} حكاية حال ماضية أي: فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان.
ويجوز أن تكون (ثم) لتراخي الخبر لا لتراخي المخبر عنه.
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ}
«فَإِنْ قِيلَ» : لم جاز دخول اللام على الفصل؟
أجيب: بأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ وأصلها أن تدخل على المبتدأ.
{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ} إنما صرح فيه بمن المزيدة للاستغراق تأكيداً للردّ على النصارى في تثليثهم.
{فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ}