فإن قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب.
قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً.
وقال في رواية أخرى: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟
قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلاً فقلت: كم كنتم؟
قال: ألفاً.
وإن قلنا: إن الفئة الرائية المشركون فإنهم استقلوا المسلمين في حال، فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟
قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)
«فَإِنْ قِيلَ» : التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟
فالجواب من أربعة أوجه:
أحدها: التأكيد.
والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه.
والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم.
والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن الأنباريّ.
قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ)
قال ابن الأنباري: وإنما قال: بعضها، لأن لفظ الذرية مؤنث، ولو قال: بعضهم، ذهب إلى معنى الذرية.
وفي معنى هذه البعضية قولان:
أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصُر والدين، لا في التناسل، وهو معنى قول ابن عباس، وقتادة.
والثاني: أنه في التّناسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير.