قال أبو بكر النقاش: ومعنى قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) أن الأبناء ذرية للآباء، والآباء ذرية للأبناء كقوله تعالى: (حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) ، فجعل الآباء ذرية للأبناء، وإنما جاز ذلك، لأن الذرّيّة مأخوذة من قوله: ذرأ الله الخلق، فسمي الولد للوالد ذرية، لأنه ذرئ منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن، لأن ابنه ذرئ منه، فالفعل يتصل به من الوجهين، ومثله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) ، فأضاف الحب إلى الله، والمعنى: كحب المؤمن لله، ومثله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) ، فأضاف الحبّ إلى الطعام.
قوله تعالى: (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ(38)
قال الفراء: وإنما قال: طيبة، لتأنيث الذرية، والمراد بالطيبة: النقيّة الصالحة.
والسميع: بمعنى السامع، وقيل: أراد مجيب الدّعاء.
قوله تعالى: (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ...(40)
قال اللغويون: والعاقر من الرجال والنساء: الذي لا يأتيه الولد، وإنما قال:
«عاقر» ولم يقل: عاقرة، لأن الأصل في هذا الوصف للمؤنث، والمذكر فيه كالمستعار، فأجري مجرى «طالق» و «حائض» ، هذا قول الفرّاء.
قوله تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46)
«فَإِنْ قِيلَ» : فقد علم أن الكهل يتكلم، فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره، أي: أنه يبلغ الكهولة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: وَكَهْلًا قال: ذلك بعد نزوله من السماء.
والثاني: أنه أخبرهم أن الزمان يؤثر فيه، وأن الأيام تنقله من حال إلى حال، ولو كان إلهاً لم يدخل عليه هذا التغير، ذكره ابن جرير الطبري.
والثالث: أن المراد بالكهل: الحليم، قاله مجاهد.