قال أهل المعاني: إنَ مريم لا تستنكر في قدرة الله تعالى خلقَ الولد من غير مَسِيس بَشَرٍ، وإنَّما قالت هذا؛ لأنَّ في البشرية التعجب مما خرج عن العادة، كما يقول الإنسان: (كيف تَهَبُ ضيعتَك، وهي أنفَس أملاكك.؟!) ليس يشك في هبته، وإنما يتعجب من وجوده.
قوله تعالى: {بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}
وإنَّما قال: {بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا.
وذهب أبو عبيدة إلى أنَّ (بعضَ) ههنا بمَعنى: الكُلِّ، واحتجَّ ببيت لَبِيد:
أو يعتَلِقْ بعضَ النفُوسِ حِمامُها
وأنكر عليه الآخرون أشدَّ الإنكارِ.
وسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] ، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟. إنْ شاء الله.
{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) }
«فإن قيل» : ما وجه التنبيه بـ {هَاأَنْتُمْ} مع أنه لا يُنبَّهُ الإنسان على نفسه، وإنما يُنبَّه على ما أغفله؟
قيل: إنَّ التنبيه وإن كان على ما أغفله من حاله فإنه يُنبَّه بذكر ما يعلم على ما لا يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس؛ والمعنى: على حال النفس.
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) }
«فإن قيل» : الله تعالى أخبر أن إبراهيم كان مُسْلِمًا، فهل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه من شريعة الإسلام؟