الأحياء العاقلين ، كما أسند إلى هذه الأنواع أحداث لا يأتى بها غير مَن كانت له حياة حقيقية وعقل وإرادة وتدبير ، ترى ذلك فتسحر ، ولا تستطيع أن تنكر منه شيئاً أو تحس بمخالفة فِي التعبير للسنن الذي ينبغى أن يكون عليه
والحديث فِي ذلك طويل ومتعدد الجوانب . . ولكننا سنضرب مثلاً لتأكيد
القاعدة ولبيان أن طريقة التصوير والبعث هي طريقة القرآن المفضلة. ومنهجه المتبع فِي بيان المقاصد المختلفة.
وأمثلة ذلك كثيرة منها: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72) .
فأنت ترى السماوات والأرض والجبال - هنا - جماعة من الإناث العاقلات.
فهمن معنى العرض ، وخطر الأمانة فطلبن من الله أن يعفيهن من حملها
وأشفقن منها ، إنه لتمثيل رائع أن ترى الجمادات تخاطب فتعقل وتفكر فتتكلم.
وقد جرى المفسرون على تفسير قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا)
أي: أبَيْنَ الخيانة فيها وأشفقن من الخيانة . .
ويفسرون"الأمانة"بالطاعة أو التكاليف الشرعية.
ولماذا لا نجرى الإباء على حقيقته - كما سبق - ويكون المعنى: طلبن من
الله إعفاءهن من حملها.
وحملها الإنسان ، على أن يراد بالأمانة ما يؤمَن عليه
الإنسان من مال وغيره. لا مطلق طاعة ولا عموم التكاليف.
وقال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11) .
تكاد كتب التفسير تجمع على أن المراد من أمر السماء والأرض فِي هذه الآية
أنه أمر تكوين. أي قال لهما: كونا وتشكلا على الهيئة التي نشاهدهما عليها.
وفي تحليل معنى الأمر يقول الزمخشري:"إنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا"