«فإن قيل» : هب أن اتباع طلب الفتنة مذموم، فكيف ذُمّوا بابتغاء تأويله؟
قيل: طلب التأويل من نفس المتشابه مذموم؛ إذ لا سبيل إلى تبينه منه، وإنما طلب الحق يجب أن يكون بردة إلى المحكم إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر، حسب ما نبه عليه تعالى بقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الآية.
وكل له حالتان:
أحدهما: أن يكون تابعًا على طريق التأكيد، فلا يحذف منه ضمير
ما أُكِّد به، نحو: مررت بالقوم كلهم.
والثاني: أن تجعلَه مُخبرًا عنه، فيصح الحذف منه إيجازًا، نحو: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) ، وفي قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) على هذا.
قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8)
وإنما قال: (مِنْ لَدُنْكَ) لأنه لما كانت الهبة ضربين:
هبة عن عوض، وهبة لا عن عوض.
نبَّه بقوله: (لَدُنْكَ) أن هذه الهبة اعترافٌ أن بتفضله يُدرك ما يُدرك في الدنيا والآخرة، نحو قوله: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) .
قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(9)
«إن قيل» : كيف قال: (لَا رَيْبَ فِيهِ) وقد وقع فيه ريب الملحدة
والمغلطة حتى حكى الله تعالى في إبطالهم إياه ما حكى؟
قيل: قد تقدّم في مبتدأ سورة البقرة الفرق بين الريب والإِرابة (1) ، وأن الذي وقع منهم الإِرابة لا الريب.
(1) ذكر الراغب خمسة أجوبة لذلك التساؤل عند تفسيره لقوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ) في سورة البقرة:
الأول: أن ذلك نفي على معنى النهي، نحو قوله: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
والثاني: أنه يقال: رابني كذا إذا تحققت منه الريبة. وأرابني: أوهمني الريبة.
والثالث: أن يقال: هذا لا ريب فيه، والقصد إلى أنه حق، تنبيها إلى أن الريب يرتفع عنه عند التدبر والتأمل.
والرابع: أنه لا ريب فيه في كونه مؤلفا من حروف التهجي، وقد عجزتم عن معارضته.
والخامس: لا ريب فيه للمتقين.