فالطريقة المفضَّلة فِي القرآن أنه لا يسترسل فِي الحديث عن الجنس الواحد
من المعاني استرسالاً يرده إلى الإطالة المملة ، بل يعرض فِي الوحدة - السورة
-الواحدة مجموعة من المعاني يربط بينها برباط خاص.
هذا هو الرأي الصائب الذي عليه جُلة العلماء وفضلاؤهم ، والذي يؤيده
الواقع وتنطق به الآيات.
* هل فِي القرآن اقتضاب ؟
وقد خالف فريق من الباحثين - بحسن نية وضعف إدراك - ما أجمع عليه
السَّلف والخَلف فادعوا غير ذلك ، وهم واهمون.
قال أبو العلاء بن غانم:
"إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب"
من الانتقال إلى غير ملائم.
وأن ليس فِي القرآن شيء من حسن التخلص"."
وقال العز بن عبد السلام:
"المناسبة علم حسن ، ولكن يُشترط فِي حسن"
ارتباط الكلام أن يقع فِي أمر متحد مرتبط أوله بآخره.
فإن وقع على أسباب
مختلفة لم يقع فيها ارتباط. ومَن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا
بربط ركيك ، يُصان عن مثله حسن الحديث فضلاً عن أحسنه فإن القرآن نزل فِي نيف وعشرين سنة فِي أحكام مختلفة.
وما كان كذلك لا يتأتى فيه ربط - بعضه ببعض.
* مبنى الشُّبهة:
وقد بنى هؤلاء فكرتهم على ثلاثة اعتبارات:
أولها: ما فِي القرآن من تعدد الأغراض والمقاصد.
ثانيها: الامتداد الزمني والمكاني.
حيث استغرق نزوله ثلاثاً وعشرين سنة فِي موطنين مختلفين لهما اعتبارات متعددة ، وهما: مكة ، والمدينة ،
وقد اختلفت الموضوعات التي عولجت فِي كل منهما عن الأخرى.
ثالثهاً: نزوله مفرقاً مُنَجَّماً حسب المناسبات والدواعى ، فسورة البقرة -
مثلاً - استغرق نزولها تسع سنوات.
وجمعت فِي آياتها أحداثاً كان الفارق الزمني بين وقوعها كبيراً.
وقد وهم الغانمي والعز بن عبد السلام فِي ذلك وهماً كبيراً.
ولو أنهما لجأ إلى الفكر وأحسنا النظر بدارسة عقد المعاني فِي القرآن نفسه لرجعا عما قالاه ، ولاستغفرا الله ربهما.