ثالثاً: يقول الإمام البقاعي فِي تفسيره سورة البقرة:"إن المقصود من"
حكاية القصص فِي القرآن إنما هي المعاني. فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى
جميعها ولم يكن هناك تناقض. فإنها كانت حين وقوعها بأوفى المعاني ، ثم إن
الله تعالى يُعبر لنا فِي كل سورة يذكر القصة فيها بالألفاظ المناسبة للمعاني ،
ويطرح ما لا يقتضيه المقام.
* خلاصة:
ذلك هو جانب التكرار فِي القرآن الكريم. فليأت قصاصو العالم بأدب مثله ،
وليرنا الطاعنون أين موضع العيب فيما جاء فِي القرآن مكرراً ؟
وإلا فكفى لغواً.
فإن كانوا مكابرين قلنا لهم:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَهَا ... فَلمْ يَضِرْهَا وَأوْهَى قَرْنهُ الوَعِلُ
وإن كانوا ضالين قلنا لهم:
وَإذا كُنْتَ لمْ تَرْ الهِلَالَ فَسَلِّمْ ... لأنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأبْصَارِ
الفصل الرابع
خصائص يغلب عليها جانب المعنى
1 -ثراء معاني القرآن:
وهذه خاصة من خصائص التعبير القرآني. فيها يقول الجاحظ:
"إنه - أي القرآن - قد يدل بالكلمة الواحدة والكلمات المختصرة على معان متعددة يطول شرحها. وإذا أراد المتكلم العادى التعبير عن المعاني التي أرادها القرآن لم يصل إلى بغيته إلا بلفظ أطول. وأقل دلالة".
فالقرآن ينتقى من الألفاظ جوامعها وأغناها بالدلالة ، ويختار من أدوات
التعبير ما يعطيك من المعنى ما هو دائماً - متجدد متدفق ، بحيث يسع وجهات النظر المختلفة.
"وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت خُبراً به ، ووقفتَ على معناه محدوداً ،"
ولو رجعتَ إليه كَرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد ، غير ذلك الذي سبق إلى فهمك أول مرة ، وكذلك حتى ترى للفظة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهاً عدة. كلها صحيح أو محتمل للصحة ، وكأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع فيه شعاعاً ، فإذا نظرتَ إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدرى ما تأخذ عينك وماذا تدع"."