قوم منعهم من فهمه تفسيره وشغلهم بما حضر من دنياهم، وقوم منعهم من فهمه تأويله وشغلهم بما سمعوا من أمر أخراهم، وقوم منعهم من فهمه سابق آراء عقلية انتحلوها، ومذاهب أحكامية عقلية تمذهبوا بها، فإذا سمعوه تأولوه لما عندهم، فيحاولون أن يتبعهم القرآن، لا أن يكونوا هم يتبعونه، وإنما يفهمه من تفرغ من كل ما سواه."يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين".
فإن للقرآن علوا من الخطاب يعلو على قوانين العلوم علو كلام الله على كلام خلقه، فنورد، بعون الله، والتأييد بروح منه، أبوابا تشتمل على ما يجريه الله من:"مفتاح الباب إلى فهم الكتاب"والله الولي الحميد.
الباب الأول
في علو بيان القرآن
على بيان الإنسان
اعلم أن بلاغة البيان تعلو إلى علو قدر المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه، بقدر علو الله على خلقه. فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه، وهو لا يحيط به علمه، فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه بيانه، وإذا أنبأ عن الماضي. فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا فِي ذكره، لما لزم الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبئ عن الآتي، أعوزه البيان كله، إلا ما يقدره أو يزوره، فبيانه فِي الكائن ناقص، وبيانه فِي الماضي أنقص، وبيانه فِي الآتي ساقط: {يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} .
وبيان الله، سبحانه، عن الكائن بالغ إلى غاية ما أحاط به علمه: {قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ} ، وعن المنقطع، كونه بحسب إحاطته بالكائن، وسبحانه من النسيان {لا لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} وعن الآتي بما هو الحق الواقع {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} والمبين الحق لا يوهن بيانه إيهام نسبة