فصل فِي (مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل)
للإمام أبي الحسن الْحَرَالِّي المراكشي
قال - عليه الرحمة:
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العبد، وعلى آله القائمين لله بالله بوفاء العهد، والرضا عن أصحابه المجدين فِي سبيل الله أتم الجد، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الوعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أما بعد، فإن لله مواهب جعلها أصولا للمكاسب، فمن وهبه الله عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خرقا نقص حظه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه فِي جميع أموره علمه وفهمه، ومن أتاه فصل خطاب أبان به حقيقة ما علمه.
وإن الله تعالى إذا أقام داعيا له اختار له من يلقي عنه ويتبين منها؛ أولي أحلام ونهى، يحملهم الله ببداية إفضاله بها عليهم إلى المنتهى، وإنه إذا خوطب قوم ببيان،
وحوروا بتبيان، فلم يلقنون ولا فهموا، علم أن أساس مواهبهم يحتاج إلى تزكية تهيئهم إلى ما يقصد بهم من التفهم بقوانين وتنبيهات عل أمور جامعات. فاتخذ للمقصرين فِي اللسن قوانين النحو، حين اعوجت الألسنة، وكان أول من اتخذ ذلك أبو الأسود الدؤلي، رحمه الله، فِي زمن علي، عليه السلام.
واتخذ للناقصي التعقل والتصور علم المعقولات، وذلك فِي زمن حكماء اليونانيين. واتخذ للناقصى الإبانة والبلاعة علم الأدب، وكان أول من صنف فِي ذلك وجمع شتاته أبو عمرو، الجاحظ، رحمه الله.
واتخذ للناقصي التفهم فِي علم الأحكام من كتاب الله، وسنة رسول الله، علم أصول الفقه، وكان أول من وضع فِي ذلك الإمام المطلبي أبو عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.