تقطعه راجعةً إلى حيث بدأت رحلتها فِي الملأ الأعلى )) (1) .
ثم يقول - رحمه الله - بعد تفصيل ماتع ، سرده بأسلوبه الأدبى الرفيع -: (( إنها قصة البشرية بجملتها ، فِي رحلتها .. ذهاباً وإياباً ! تتمثل فيها حركة هذه العقيدة فِي تاريخ البشرية ونتائج هذه الحركة فِي مداها المتطاول .. حتى تنتهي إلى غايتها الأخيرة فِي نقطة المنطلق الأولى .. ) ).
وتلتقي سورتا الأنعام والأعراف - كما سبقت الإشارة - على غرض (عرض العقيدة) .. ولكن تبقى لكلٍّ منهما شخصيتها فِي تناوله .. وكذلك تبقى لكلٍّ منهما شخصيتها الفنية ، من حيث الأداء التعبيري والأسلوب...
(( فالتعبير فِي كل سورة يناسب منهجها فِي عرض الموضوع . فبينما يمضي السياق فِي الأنعام فِي موجات متدافعة ، وبينما تبلغ المشاهد دائماً درجة اللألاء والتوهُّج والالتماع ، وتبلغ الإيقاعات درجة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع .. إذا السياق فِي الأعراف يمضي هادئ الخطو ، سهلَ الإيقاع ، تقريريَّ الأسلوب ، وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة فِي سيرها المديد .. خطوةً خطوةً ، ومرحلة مرحلة .. حتى تؤوب ! وقد يشتد الإيقاع أحياناً فِي مواقف التعقيب ، ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطوة الوئيد الرتيب!... وهما ، بعدُ ، سورتان مكيتان من القرآن ! ) ) (2) .
(2) عمود السورة: وهذا ، كما تقدم ، من مصطلحات الشيخ الفراهي - رحمه الله - .. وهو يقصد به العنوان الرئيس للسورة ، الذي تؤدي معرفته إلى ردِّ جميع مقاصد السورة وموضوعاتها إليه - كما سبق تفصيله فِي المبحث الثالث -
(1) فِي ظلال القرآن ، 3/1244
(2) السابق ، 3/1245