* تفسيره ، وعنايته بموضوع التناسب:
يعدُّ (مفاتيح الغيب) الكتاب الأعظم للإمام الرازي ، وقد بدأ كتابته بعد إنجاز معظم كتبه ، وانتهى منه قبل وفاته بسنوات قليلة ، ومن هنا يظهر أنه صنفه بعد أن اكتملت أدواته ، ونضج عقله ، فحقَّ له أن يبدو فِي صورة الموسوعة الشاملة ، التي جمعت - إلى جانب التفسير - المسائل الفقهية ، والأسرار العقلية ، والمباحث اللغوية ، والدقائق الكلامية ، والإشارات الفلسفية .. مما يجعل قارئه ينتقل فيه من فنٍّ إلى فنٍّ ، ومن دائرة إلى أخرى .. فِي ترابطٍ عجيب ، وترتيب منطقي لافت (1) .
وما يهمنا الآن من تفسير الرازي الجامع ، هو بيان اهتمامه الشديد بترتيب الآيات وتحليلها ، وبيان أسباب مجيئها على هذا النحو ، والاستدلال بذلك على إعجاز القرآن المجيد .. وفي ذلك يقول: .. ومن تأمل فِي لطائف نظم هذه السورة (سورة البقرة) ، وفي بدائع تركيبها ، علم أن القرآن كما هو معجز بحسب فصاحة ألفاظه ، وشرف معانيه ، فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلا أني رأيت جمهور المفسِّرين معرضين عن هذه اللطائف ، غير منتبهين لهذه الأمور .. وليس الأمر فِي هذا الباب إلا كما قيل:
(1) انظر: الرازي مفسراً ، ص 51: 86 ، ففيه عرض وافٍ وجيد للصورة العامة لتفسير الرازي ، وللقضايا المتشابكة التي حواها ، وللطريقة المميزة التي سلكها فيه صاحبه .