لقيه مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بمنى على ميعاد ، بعد الذي كان مما أنزل به جعفرُ بن سليمان عامل المنصور على المدينة من الضرب بالسوط وانتهاك الحرمة وإزالة الهيبة ،
قال مالك رحمه الله: (ثم فاتحني(يعني المنصور) فيمن مضى من السلفِ والعلماء ، فوجدته أعلَم الناس بالناس ؛ ثم فاتحني فِي العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفَهم بما اختلفوا
فيه ، حافظاً لما روى ، واعياً لما سمع ، ثم قال لي: يا أبا عبد الله ، ضع هذا العلم ودون منه كتباً ،
وتجنَّب شدائدَ عبد الله بن عمر ، ورُخَصَ عبد الله بن عباس ، وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمةُ والصحابة رضي الله تعالى عنهم ، لنحمل الناس إن شاء الله
على علمك وكتبك ، ونبثُّها فِي الأمصار ، ونعهدَ إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها .
فقلت: أصلح الله الأمير ، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون فِي علمهم رأينا .
فقال أبو جعفر:"يُحمَلون عليه وتُضرب عليه هاماتُهم بالسيف وتُقطَع ظهورهم بالسياط!! فتعجل بذلك وضَعها ،"
فسيأتيك محمد ابني (المهدي) العامَ القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك ، فيجدك وقد فرغتَ من ذلك إن شاء الله!"."
ثم قدم المهدي على مالك ، وقد وضع أجزاء كتابه (المُوطأ) فأمر بانتساخها وقرِئت على مالك .
إلى أن كانت سنة 174 هـ فخرج الرشيد حاجاً ، ثم قدم المدينة زائراً ، فبعث إلى مالك فأتاه فسمع منه كتابه ذلك ، وحضرهُ يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ، ولم يتخلف من
رؤسائهم أحد إلا وحضر الموسمَ مع الرشيد ، وسمع وسمعوا من مالك موَطأهُ كله ، ثم أنكروا عليه مسألة فناظروه فيها ، حتى إذا كشَف لهم عن وجهها وأبان فيها طريق الرواية والتأويل صاروا
إلى الرضى بقوله والتصديق لروايته والتسليم لتأويل ما تأوّل .