حالاً ، ولا أكثرهم رجالاً ، ولا أثقبهم فهماً ، ولا أعلمهم علماً ، ولا أقواهم قوة ، ولا شيء من ذلك وأشباه ذلك مما لا يتفاضل به الناس على التحقيق إلا فِي إدبار الدولة واضطراب الاجتماع
وفساد العمران ، ويكون مع ذلك كأنه دُرْبة لهم أن يتباينوا بعد هذه الفضائل المشوبة بالرذائلِ صِرفة
لا شَوبَ فيها! .
ولا يمكن أن تفسر (التقوى) على التحديد والتعيين فِي كلمة تستوعب كل معانيها وما يتصل بها إلا كلمة واحدة ، هي"الخلُق الثابت! ومهما أدرتها على غير هذه الكلمة من أسماء الفضائل"
كلها فإنك لا تجد اسماً واحدأيلبسها لا فاضلة عنه ولا مُقصراً عنها .
لا جَرَمَ أن هذا الأصل الاجتماعي الذي انشعب من المساواة كما رأيت فِي نظم الآية ، هو
الأصل الذي انشعبت منه كل فضائل المساواة والحرية ، وإنه لذلك مقدم على الإيمان ، إذ لا إيمان لمن لا تقوى له ، وأنه يقضي بكل أنواع الحرية التي تفيد الاجتماع ، وكلها مقرر بأصوله فِي القرآن
الكريم ، غير أن الذي ننبه عليه من فضيلة التقوى أو الخلق الثابت فِي القرآن ؛ أنه جعل أبعد
الأشياء عن موافقة الطباع الموروثة وما لا بد للنفس الإنسانية فِي التخَلق به من الكد والمعالجة ومن شدة الاعتصام فِي مدافعة أخلاقها وعاداتها الحيوانية التي هي أصل الفطرة وغريزة الجِبِلة - أن
هذا كله فِي وصف الفضيلة وجماع الأمر لا يزيد عن كونه (أقرب للتقوى) وذلك فِي قوله تعالى:
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَؤمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)
والشنآن: العداوة والغضب
وما فِي حكمهما . وهذا على أنها"من قوم"لا من فرد كما ترى فِي الآية الكريمة ؛ فينطوي فِي هذه الإضافة الحرب والاستعمار وغيرهما فتأمله .
ثم اعتبر القرآن أن خير الأمم على الإطلاق إنما هي الأمة التي تتبسط فِي مناحي الاجتماع على هذا (الخلق الثابت) ، فإن مرجع التقوى فِي مظاهرها الاجتماعية إلى شيئين: الأمر