بذلك استطاع القرآن أن يؤلف من العرب - وكانوا بشراً لا نظام لهم - أكبرَ جماعةٍ نفسية عرفها تاريخ الأرض وفي تاريخها على حساب ذلك فِي روعته وغرابته وقوته وفائدته ، إذ وَجَدَت
من آداب القرآن قلباً اجتماعياً عاماً استولى على ما فيها من التصور والفكر والإدراك والاعتقاد ،
وأحالها كلها فكراً واحداً يستمد قوته من الخُلُق الذي قام به لا من العقل الذي ينشأ عنه ؛ وليس يخفى أن العقل هو مظهرُ تاريخ الأمة ، ولكن الخلُق دائماً لا يكون إلا مصدر هذا التاريخ ، فلا
جَرَمَ لم يثبت تاريخ أمة من الأمم إذ لم يكن قائماً على هذا الأصل المستحكم وكانت الأمة غير ذات أخلاق .
وإنما صح هذا لأن الصفات الأخلاقية ليست إلا قطعة العمل التي ينسجها الفرد من خيوط أيامه فِي ثوب التاريخ التي تحوكه الأمة لنفسها من أعمار أبنائها ، والخلق هو بطبيعته مادة هذا
النسيج فِي الأمة كلها ، لأنه وحده الذي يحقق الشبهَ بين طبقات هذه الأمة نازلها وعاليها من قاصيه إلى قاصيه فهو فِي الفرد صفة الأمة وفي الأمة حقيقة الفرد .
ولا يشتد القرآن الكريم فِي شيء فيجيء به على العزيمة القاطعة التي لا مَساغَ للعذر فيها ولا وجه للتعلل عندها ، كما تعرف ذلك منه فِي الأخذ بالأخلاق الاجتماعية ، فإنه لم يجعل فِي أمر
على الناس هوَيداء ولا رويداء ، بل أمضاها وأعلنها ورفع من شأنها وجعلها من عزائمه ، حتى لا يشك فيها من عسى أن يشك فِي غيرها ، ولا يرتابَ من ربما كانت الريبة من أمره ، وحتى أنه لما
وصَفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ الصفات وأشرفها وأسناها ، لم يزد على قوله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) .
فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق هو (التقوى) . وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق ، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها فِي أكثر