عروش الممالك ، وهم كانوا بين داع للصنَم وراع للغنم ، وعالِم على وهم ، وجاهل على فهم ،
وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشيطان ، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء الإنسان ، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها ، وما زالوا بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها .
وليس من دليل فِي التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلاً اجتماعياً كذلك الجيل الأول فِي صدور الإسلام ، حين كان القرآن غضاً طرياً ، وكانت الفطرة الدينية مؤاتية ،
وكانت النفوس مستجيبة ، على أنه جيل ناقض طباعه ، وخالف عاداته ، وخرج مما ألف ، وخلق
على الكبر خلقاً جديداً ، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعاً ، والعلوم قاطبة ،
تنشئ جيلاً من الناس ولا جماعة من الجيل ولا فئة من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فِي علو النفس ، وصفاء الطبع ، ورقة الجانب ، وبسط
الجناح ، ورجاحةِ اليقين ، وتمكُن الإيمان ، إلى سلامة القلب ، وانفساح الصدر ، ونقاء الدخل
وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون الإنسان من طهارة الخلق ، ثم العفة فِي مذاهب .
الفضيلة ، من حسن العصمة ، وشدة الأمانة ، وإقامة العدل ، والذلة للحىَ ، وهلم إلى أن تستوفي الباب كله .
وهذا على كثرة عديدهم ، وترادُفِ تلك الآداب فيهم ، وتظاهرها على جميعهم ، واستقامت
لها بأنفسهم ؛ وإنما يكون مثلُ الرجل الواحد منهم فِي الدهر الطويل ، وفي الجيل بعد الجيل ، وعلى ذلك ليكون فِي الأرض نادرة الفلك ، بل يجعل هذه الأرضَ مثال السماء لأنه فِي نفسه مثال الملك .
وماذا تريد من علوم الأخلاق وعِبَر الاجتماع وفلسفةِ التربية وآداب السلوك وما إليها .
يُبتغى ذريعة فِي كل وجه من إصلاح الإنسانية . إذا كانت كل هذه إنما تَلتمس الناقصَ أو المعيب