فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6894 من 466147

فلولا الآدابُ النفسية فِي طبائع الإنسان ، وما تمكنه من صلات الناس بعضهم ببعض ، وما تعطف منهم جماعة على جماعة ، وما تُطلِقُ من حد المساواة ، وما تحد من معنى الجزية ، لكانَ وجهُ الأرض قد تغير بما يشملها من الفوضى الإنسانية ، ولانتقض أمرها ، ثم لكانت الشرائعُ نفسُها

أشد فِي إفسادها من الفساد كله ، ثم لصارت كل أمة كأنها جنس من الحيوان: فِي قيامه بنفسه ،

وانفراده بنوعه ، وتميزه بالعداوة لغيره ، فههنا آكل وهههنا مأكول ؛ فإذا العالَم قد أودى وقطع دابر القوم الذين ظَلموا .

والشريعة فِي الجملة لا تعدو أن تنزل من كل مجموع من الناس منزلة المرشد المصرف للأفعال على جهةِ بينة من الحكمة ، وطريقة لائحة من المنفعة ؛ فهي فِي الحقيقة عقلُ هذا المجموع الذي يعقل به وينقاد لأمره ، ثم هي بعد ذلك من المنزلة فِي نفسها بحسب ما تبلغه من

الوفاء بأسباب السعادة ، والكفاية بحاجات الاجتماع ، إلى سائر ما تشبه فيه العقلُ الإنساني شَبهاً تاما ونعتا محققاً . ولكن الآداب تتنزلُ من المجموع منزلة النفس الإنسانية التي بها الحياة ، والتي

هي الكفيلة دائماً بتحقيق النسبة بين العقل وبين أغراضه المعقولة وبين الأشياء التي هي مادةُ هذه الأغراض .

فالآداب لا تكون فِي الإنسان إلا شرائع ، ولكن الإنسان إذا عَرِيَ من الأدب النفسي ، فربما شرع لنفسه ما لا يصنع الشيطانُ أخبثَ منه بل ما يَركضُ فيه الشيطانُ ركضاً ؛ وقلما انتفعَ مَن لا أدب له بشريعة من الشرائع وإن كانت فِي الغاية التي لا مذهبَ وراءها فِي تهذيب النفس ودرء

المفسدة عنها بحَسم مادتها أو ما سبيلُها أن ترد به ، من تقويم الطباع ، وتثقيف الأخلاق ، وتثبيت

الإرادة ، وتعيين الحد النفسي لكل منزع إلى الخير وإلى الشر ، حتى تستوضحَ للمرء مذاهبُ نفسه ،

فيمضي إذا مضى على بينة ، ويعدلُ إذا عدل عن بينة .

وانظر ما عسى أن يكون موقعُ الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت