كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي ؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب عنها ، أو قبيلاً
يلتوي حتى تكون منه بمقصر ، أو قوماً يصلحون حتى لا تصلح لهم ، فإنها بعد آداب الفطرة التي لا تتغير فِي هذا الخلق ، على ما بين طوائفه من التباين ، وعلى الضروب المختلفة من أساب هذا
التباين وعلله ، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ من الأفكار والعادات وما
إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها الأمم ، وتنشأ منها قواعد الحكم وضوابط الاجتماع
ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها .
ولا شيء يثبه نظام هذه الفطرة فِي تسويتها بين الناس على ما وصفنا من أمرهم ، إلا نظام الجاذبية فِي تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها على اختلاف ما بينها وتباعدها فيما وراء
ذلك ؛ وليس نظام الجاذبية فِي التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبهاً من الفطرة النفسية ، ولا نظام
هذه الفطرة فِي الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبهاً من تلك الجاذبية . وكلاهما يغني شأناً أراده الله من خلق السماوات والأرض ، وهو الذي يمسك السماوات والأرضَ أن تزُولا .
وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعةُ الحياة فيهم واحدة ، فكل ما أمكن أن يرجع
إلى النفس الإنسانية ونظامها فهو فِي أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز ، وإنما الذي يتغير فِي الإنسان مظاهر فكره ، إذ هو يستمدُّ هذا الفكر مما يتقلب عليه من الحوادث ، ومما يُريغه من الأمور ؛
وذلك شيء ليس فِي الناس على قدر واحد ولا صفة معئنة ولا أمر مستقر ، لا يُغادِرُ الدهرُ أن يزيدَ بسبب وينقص بسبب ، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه بالزيادة والنقص جميعاً .
فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئاً من العادة التي هي بعضُ مظاهر الفكر ، فهو كالعادة نفسها: يدور معها ويتغير بحسبها ؛ وما كان منها راجعاً إلى طبيعة النفس التي هي مصدرُ الفكر ، فهو يشبه أن يكون طبيعة