ذمتها ، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط .
ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا مَن يستدبرهم راعياً أو ملتهماً . ثم يمكَّن لهم من دينهم ، ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما يتحولون فِي استحاقهم بالأمة التي وثبت بهم وما
مضوا فِي ذلك على العزيمة والتشدد ، فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان ، ولا تشدد للسان خذله القلب ، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبُهم ، وتلك سنة من السنن (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) .
ومَن للأمم بمثل هذا الاستعمار
اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن ، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت فِي الأرض .
ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة .
ولا نرين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ
لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد ، ثم استبدلت الألسنة واللغات بهذه الكتب ، فهي
شريعة ولا هي جنسية جامعة ، وإنما نراها فِي كل أمة من الأمة نفسها ، ولذا سهلَ على كثير منهم
أن ينبذوها ، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرؤون فيها إلا إذا أرادوا الاستغراق فِي رؤيا تاريخية ، والعارف عارف من يثبت فصولها ومعانيها ، أو يعرف ذلك فضل معرفة .
وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية (الغوط) وبين صنيع العرب ، فإن أولئك أغاروا
على إيطاليا فِي القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا أن ملكوها حتى ملكتهم ، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم أخذوا يتحضرون من بَداوة ويستأنسون
إلى الحضارة الرومانية ، حتى رغبوا فِي العلم ، فاستجادوا المهرَةَ من علماء الرومان ، ونصبوهم