ألَف بين القلوب على مذهب واحد ، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلاً إلى التأليف بين ألسنة
الأمم ومذاهب قلوبها ، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية فِي الأمم بأبدع منها .
فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم ؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير ، وأما التأليف بين ألسنتهم
فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر ، ببقائه على وجهه العربي الفصيح
لفظاً وحفظاً وأداء ، لا يجد إليه التبديل سبيلاً ، ولا يأتيه الباطل موجهاً أو محيلا ، ولا يدخله التحريف كثيراً أو قليلاً ، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تحلل منها الألسنة المختلفة أبداً ؛ وهذا من
أرقى معاني السياسة ، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية ، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق ؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع فِي الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها ، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد ،
وفيها كذلك التغرير والخطار ، والكذب والخداع ، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج .
فبقاء القرآن على وجهه العربي ، مما يجعل المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم ، من الأسود ، إلى الأحمر ، كأنهم فِي الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسمٌ واحد ينطق فِي لغة
التاريخ بلسان واحد ، فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قد زال عن
حئزه ، وانتفى من صفته الطبيعية ، لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافلها
إنما هي فِي الحقيقة لون القلب لا سَحْنَةَ الوجه .
وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى: فلا يعلم فِي الأرض قوم غيرهم يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم فِي الأغلال ، ويجنحون إليه بأعناقهم وهي فِي ربَق الملوك من الإذلال