فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6884 من 466147

ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية فِي نفوسهم حتى استبد بها فِي مستقرها ، وصرفها فِي وجوه معانيه - ما بلغ من القوم رأياً ولا نيةَ ، ولأوشك أن يكون في

مقاماتِ البيان عندهم وما يَهتف به شعراؤهم وخطباؤهم - ما يذهب به جملة ويمسح أثره فِي القلوب ، ولا يدع له مَساغاً إلى ما وراء السمع ، لأن هؤلاء تنفث عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح

وأبين البيان فِي رأي العرب ، وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة ، ولكن الحمية والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى ، كلها فصيح وكلها بيان ، وليس الشأن فِي اللغة وألفاظها ومعانيها ، وإنما الشأن فيما

يمكن أن تفهمه النفس من كل ذلك ؛ وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ويبين عن أخلاقها وعاداتها .

ولولا اختلاف النفوس فِي هذا الفهم ما رأيت اللغة اللواحدة عند أهلها كأنها فِي المعنى لغات متباينة ؛ فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها كأنما هي ليست من لغة أحدهما ، فلا تبلغ منه ولا تمسه ، كأن تكون كلمةَ من باب الحفاظ يسمعها عزيز وذليل ، أو لفظة من الكرم

يلقاها جوادٌ وبخيل .

أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى ، وأطلت تقليب الرأي فيه ، وكان لا يعتريك الخواطر إلا ما أحكمه العقل - فإنك واجدَ منه سبيلا إلى وجه من أبين وجوه الإعجاز اللغوي

القرآن الكريم ، فهو قد سفه أحلام العرب ، وخلع آلهتهم ، وقمع طغيانهم ، واشتد عليهم بالله محضاً بعد اللين ممزوجاً ، حتى جعلت وإؤهم كأنما ترقرق فِي بعض آياته ، ثم لم يهدأ عنهم ،

ردد ذلك وكرره ، وعمهم به ، وأرسله فِي كل وجه ، وقرع أنوفهم ؛ وهاج منهم حمية الجاهل:

وجاراهم فِي مضمار المخاطرة ، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى ؛ وهم الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت