بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) .
نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حَملها وتأويلها ولم يكن كدِرَ الحس ولا مريض الذوق ، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضجُّ فِي الحضارة وتختبط ، ومدنية تضطرب فِي أهلها وتختلط ، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه ، وأخذت فِي ظن الإثم بيقينه .
ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها فِي الانقراض ، وتغالت فِي وجوه المدح والذم ، وسبح شرف أهلها يغتسل فِي الدم . وهبَّت فيها الرذائل بأنواعها ، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاقَ
الفتنة بين جراثيمها ، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها .
واجتمعت فيها النقائض اجتماعَ
جوار ، لا اجتماع نفار ، من الإلحاد والإيمان ، والصلة والحرمان ، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة ، والائتلاف الذي ليس له تلاف ، والإمساك الذي
ليس له مِساك ، إلى غير مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرِمت وهي مع ذلك تتصابى ،
وعلمت وهي على ذلك تتغابى ، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخولوها بالموعظة ، لما أصابوا فِي غرضهم أسدَّ ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات ، يعرضونها