(وَلَؤ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) فهي القصور الطوال الحصينة .
وكل ما فيه من ذكر البر والبحر ؛ فالمراد بالبحر: الماء ، وبالبر: التراب ، إلا قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فالمراد به البرية والعمران .
وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء ؛ فهذا ما يسمونه فِي لغة القرآن بالأفراد.
تأثير القرآن فِي اللغة
لا نتكلم فِي هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن فِي الكلام فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام ، ولا عن وجوه تأثيره باللغة: فإن لكل من ذلك موضعاً هو أملك به ، وإنما
نقص لك طرفاً من القول فِي هذه اللغة كيف ظهرت فِي آياته للزمان حتى لا يظن أنها لغة عصرها ،
وكيف بهرت بغاياته فِي البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها ، وكيف جاوز بها قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها .
نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً ، فكان أشبه شيء بالنور فِي جملة نسقه ، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته ، وهو فِي كل جزء من
أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء ، وبدلت الأرض غير
الأرض ، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها ، وأجزاها فِي ظاهرها على بواطن أسرارها .
فجاء بها فِي ماء الجمال أملاً من السحاب ، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب ، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها فِي جلال الإعجاز ، وصوَّرها الحقيقة وأنطقها بالمجاز ، وما ركبها به من المطاوعة فِي تقلب الأساليب ، وتحول التراكيب إلى التراكيب ، قد أظهرها مظهراً لا
يقضى العجب منه ، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته ، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود ؛ لأنها هي