حد إلى حقيقة هذا الإعجاز ، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها ، ولكن باطنه صورة السماء فِي الماء ، ومُسميات إلهية لا تنال وإن نيلت
الأسماء ، ثم إن لكل لغة فِي امتزاجها بالقرآن حداً يقف عنده أهلها ، وهو الحد الذي تبتدئ منه
الجنسية اللغوية ، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه الجنسية التي كان
القرآن أخص مقوماتها ، وذلك فِي جملته إنما هو الإعجاز كله ، والهدى كله ، والكمال كله .
ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيداً بدقائقه عن مُتناول أذهان العرب ، ولا أن فيه شبه من الكد ، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب فِي لغتهم وقصروا عنهم فِي فهم حقائق
الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم ، ثم لا بد أن يكون العربُ قد فهموا الحديثَ على نحو مما يؤدي تفسيرنا الذي ذهبنا إليه ، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه ؛ والحد والمطلع غير الصفاتِ التي
تتعلق باللغة ، ولأمرٍ ما كان كلامُ النبوة خالداً كأنه قيل فِي كل عصر لأهله وقبيله .
وكأن هذا الزمان إنما هو شاهدٌ يجيء بالبينة على صحة تأويله .
ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي - صلى الله عليه وسلم - يعين المراد منه ، لما اختلفت أقوال
العلماء فيه ، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه ، وقد أنزله الله الذي أنزل السكينة فِي قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم: فإن ذهبتَ
مذهبنا ؛ وإلا فخذ مما أحببتَ أو دَعْ! .
مفردات القرآن
وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب ؛ وليس المراد بغرابتها أنها مُنكرة أو نافِرة أو شاذة ، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه ، وإنما اللفظة الغريبة ههنا هي التي تكون حسنة
مستغربَة فِي التأويل ؛ بحيث لا يتساوى فِي العلم بها أهلها وسائر الناس .