وقولُها:"ولقد كان يُقرأ إلى أن مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ممّا يُقرأ"تعني به أنه كان مما يحفظه كثير من الناس أقربَ عهدٍ بنسخِه ، ولم تقُل بالخبر:"إنه كان مما يُقرأ"على أنه ثابت باقي الرسم ، ونحنُ اليومَ نقرأ ذلك ونقرأ ما رُوِيَ لنا من المنسوخ على سبيل الحفظ والمذاكرةِ به ، وكما يَقرأ كثير منا التوراةَ والإنجيلَ والزَّبوُرَ لا على أنه واجب علينا حفظُه وتلاوتُه ، وإذا كان ذلك سقطَ أيضا التعلقُ بهذه القصة.
فأمَّا ما ذكروه من القرآنِ المُنزَلِ فِي بئر مَعُونة فإننا لا نُنكِرُ أن يكونَ ذلك
صحيحة قد كان ، إلا أنه قد نُسِخَ وزال لأن نسخَه مرويّ ، ولأنه لو كان ثابتا باقيا لوجبَ نقلُه وحفظُ الأمَّةِ له كأمثاله مِن القرآنِ الثابت ، وقد قال أنس - رضي الله عنه -
وهو راوي الخبر: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثَ حَراما زوجَ أمَ سُلَيم فِي سبعين رجلاً - وذكرَ قصتهم - وقال: فأنزِلَ علينا وكان مما نقرأ فنُسِخ: (أنْ بَلغوا قومَنا أنا لَقِينا ربَّنا فرَضِيَ عنا وأرضانا) ، وليس يجبُ على الأمَّةِ حفظُ ما نُسِخَ من القرآنِ وضبطُه وإلحاقُه بما ثبتَ منه وخلطُه به ، ولا سيما إذا لم يكن مما وردَ فِي حكمِ ثابتِ أو زائلِ يَهُتمُ الناسُ بمعرفةِ تاريخِه وسببه ، وإذا كان ذلك كذلك بطلَ أيضا التعلُقُ بهذه القصة ، وقد قال اللهُ سبحانه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
فنصَّ على أنه ينسخُ الآية َ ويُزيلها ، وقد ينسخُ التلاوةَ ويُبقي الحكمَ ، ويَنسخُ الحكمَ وتبقى التلاوةُ ، وربما نُسخا جميعا.
وقد ذَكر قوم أنّ المرادَ بقوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: نرفَعْها أو
ننسِها ، أي: نأمر بتركِ العملِ بها إلا أتينا بمثلِها أو خيرِ منها لكم أن نأتيَ