ظاهرةً فِي الناس ومتفرقةً منهم ، على ما سنبينُه فيما بعد ، لأنّ رسولَ الله
صلى اللهُ عليهِ كان يُقرِئُهم بما سَهُلَ عليه وعليهم ، ولا نَعلَمُه أقرأَ رجلاً فيهم بجميعِ الأحرفِ السبعةِ وحفَّظَهُ إيّاها وأفردَه بها ، لأن ذلك مما لا يجبُ عليه ولم يَرَهُ من مصالحِ الأمّة ، أو لم يتَفقْ له أو لمن أخذَ عنه نشاطٌ لحفظِ جميعِ
تلك الأحرف ، وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلناه من التأويل الذي هو أَليقُ وأشبهُ أن يكونَ الصحابةُ قصَدَتْهُ وأرادَتْهُ مع ما ظهرَ من إقرارِها جميعا بأن ما بين اللوحتين هو جميعُ الثابتِ الرسمِ الذي أنزلَه تعالى.
وأمَّا ما رُوِيَ عن عائشةَ رضيَ الله عنها فِي الرَّضاع فإنه أيضاً دليلٌ على
ما قلناه ، لأنّها قالت:"كان مما أُنزل ثم نُسِخَ بخمسٍ".
وقولُها:"نُسِخَ"ليس فيه دلالةٌ أنّه نُسخ بقرآن ، لأنّه قد يُنسخ بوحيٍ
ليس بقرآنٍ لقيام الدلالةِ على جوازِ نسخِ نفسِ التلاوةِ ونفسِ حكمِها بالسُّنّة ،
وقد بيَّنا ذلك وأوضحناه فِي كتاب"أصول الفقه"بما يُغني الناظرَ فيه ، وبينت
ذلك أنها قَرَنَت نَسخَ العشرِ رضعاتٍ المحرّماتِ بنسخِ آية ِ الرجم ، وهي
قوله: (والشيخ والشيخة) ، وقد عُلِمَ أنَّها إنّما نُسِخَت تلاوتُها بسُنَّة ، فبينَتْ ذلك لا بقرآن.
وقولُها:"لقد كانت مكتوبة فِي ورقةٍ تحتَ سريري"يدلُّ أيضاً على
ذلك ، لأنّه دلالةٌ على قلّة الحفظِ له والاحترازِ والاعتناءِ بحِياطته ، لأنّ
عادتَهم فِي الثابتِ الباقي الرسم صيانتُه وجمعُه وحراستُه دونَ طرحِه في
الظهورِ تحتَ الأسِرّة والرجْلِ وبحيثُ لا يُؤمَن عليه ، فأما إذا نُسِخَ وسقطَ
فرضُه جازَ تركُ حفظِه والاعتناءُ به ، وجُعِلَ ما يُكتب فيه ظُهُورا يُنتفَعُ به
ويثبِتُون فيها ما يُريدون.
وقولها:"فدخل داجِنُ الحي فأكله"لا يدلُّ على أنه لم يكن عند أحد
غيرها لم يأكله مِن عنده شيء"."