ومن نحو ما رَويَ من قصة أهل بئر معونةَ وأن الله تعالى أنزلَ فيهم قرآنا فروى أنسُ بنُ مالك عن النبي صلى الله عليه"أنه دعا على الذين قتلوا أهلَ بئر معونة ثلاثين غداةً يدعو على رعل وذكوان وعُصَيَّة ، عصت اللهَ ورسوله"قال أنس:"أنزل فِي الذين قُتلوا ببئر معونةَ قرآن كثير حتى نُسخ بعد ، أن بلغوا قومَنا أنّا لقينا ربنا فرضيَ عنا وأرضانا".
فجوابُنا عن كل ما يردُ من هذا الجنس أنه مما كان قرآناً رُفع ونُسخت
تلاوتُه ، وذلك ما لا ينكره ولا يُدفعُ فِي الجملة أن يكون الله سبحانَه قد أنزلَ
قرآناً كثيراً ثم نسخَ تلاوتَه وإن كنَّا لا نتيقن صحة كل خبر من هذه الأخبار .
وقرآن من هذا الذي رُوي أنّه نزل ثم نُسخ إذا لم يتّفق عليه المسلمون ولم
يتواتر الخبر به تواتراً يلزم معه العلمُ بصحّته ، ولم يدكَ على ثبوته دليل
قاطع ، وليس يُوقِفُنا فِي غيره كلُّ خبرٍ من هذه الأخبار يُوجِبُ عدمَ علِمِنا بأنّه
قد أُنزل فِي الجملة قرآنٌ ثم نُسِخَ ورُفع بقول أُبي وعبدِ الله ، وما يدريكَ لعله
سقطَ أو ذهبَ قرآن كثير ، فما وُجِدَ بعدُ إنما هو أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يدَّعي
أنه قد جمعَ ما أُنزلَ من ناسخِ القرآن ومنسوخِه ، وقولُهم:"فيما وُجِدَ بعدُ"
فما نجدُ اليومَ من يحفظُ جميعَ ما نُسِخَ وسقطت تلاوتُه ، وهذا مما لا بدَّ
منه ، ونحوُه من التأويل لأجلِ ما ذكرناه من شُهرة أمرِ القرآنِ وظهورِ نقلِه.
وقد يمكنُ أيضاً أن يكونَ أُبي وعبدُ الله بنُ عمرَ قد عَلِمَا من حال مَن
قالَ أو كان يقول:"إنّي جمعتُ القرآنَ"أي: قد جمعتُه على جميعِ وجوهِه
وحروفِه التي أُنزل عليها ، فقالا له: وما يدريكَ لعلَّه قد ذهبَ أو سقطَ قرآنٌ
كثير لم يوجَدْ بعد ، أي: لم تجِدْهُ أنتَ ولا وقعَ علمُه إليك ، أو لم تَجِدْ بعدُ
مَن يحفظ جميعَ تلك الأحرفِ والقراءاتِ التي أُنزل القرآنُ عليها"وإن كانت"