وإدراك الحس فِي مخلوقاته، كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق، رضي الله عنه، قد حرم الخمر فِي الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه فِي ذلك يقول: والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله، يزيد فِي عقلي، لفعلت، فكيف أشتري بمالي شيئا ينقص من عقلي.
وكان، - صلى الله عليه وسلم - ، كثيرا ما ينبه على حكمة الله فِي الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب، عملا بقوله تعالى {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} . فقال لطلحة، وقد ناوله سفرجلة:"إنها تذهب بطخاء الفؤاد". وقال لأبي هريرة، وهو رمد، فِي خبز الشعير والسلق:"كل من هذا، فإنه أوفق لك"وقال فِي التمر والقثاء:"حر هذا يكسر برد هذا"أو قال:"برد هذا يكسر حر هذا"وقال لرمد:"أتأكل التمر وأنت رمد". وقال لعائشة فِي الماء المشمس:"لا تفعلي هذا ياحميراء فإنه يولد البرص". وقال:"استاكوا بكل عود، ما خلا الآس والرمان، فإنهما يهيجان عرق الجذام". وقال لامرأة، وقد استطلقت بالشبرم:"حار جار ألا استطلقت بالسنا، فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا"إلى غير
ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة، رضي الله عنها، تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن، ومثل ذلك كثير من كلام العلماء ومجربات الحكماء، ومعارف الحنفاء. قال الشافعي رضي الله عنه، فِي قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب.