فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه، وروعة النفس منه، وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه، ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ،"كثر هؤلاء من القراء لا كثرهم الله". ومن لم يصح له قراءة [هذا الحرف لم تصح له قراءة] حرف سواه، ولا تصح له عبادة، وهو الذي"لا تزيده صلاته من الله إلا بعدا"ولا يقبل منه دعاء، والرجل يكون مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام،"يقول يارب، يارب، فأنى يستجاب لذلك".
فهذا وجه قراءة هذا الحرف وشرطه، والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني
فيما به تحصل قراءة حرف الحلال
اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا؛ إما فِي حال السعة، فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه، أو غيره، أو ربه، على ما ذكر فِي الفصل الأول {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} . {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} . الآية.
وإما فِي حال الضرورة فبغير استثناء البتة: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} . {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . والذي به تحصل قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله فِي المتناول من مخلوقاته، ومعرفة أخص منافعها، مما خلقه، ليكون غذاء فِي سعة أو ضرورة، أو إداما أو فاكهة، أو دواء كذلك، ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} . وذلك مدرك عن الله، سبحانه، باعتبار العقل،