وهذا هو أساس ما تتفاوت به درجات العلم فِي الدنيا، ودرجات الجنة فِي الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده علما وعملا وثباتا وقبولا عند التمحيص إلا بحسب الإحكام فِي قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه، لأنه طهور لا بعده من صلاة حرف الأمر، وما قصر بعشرات فرق الأمة إلا التقصير فِي حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الإكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة فِي الحمية من عموم ما لايتناهى من المنهيات، لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق، فيما بعد الموت.
ويصعب هذا الحرف على الخلق ما استقر فِي أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صفوف المنهيات لنظرهم لجدواها فِي الدنيا، وعماهم عن وبالها فِي الأخرى، وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا لوفاء الحمية منها. والحمية أصل
الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات، لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء، {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} جاءوا بحسنات كأمثال الجبال، وكانوا يصومون ويصلون، وياخذون وهنا من الليل، لكن ذلك تداو بغير حمية، لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منا الشهوات، ويعملون المعصيات، فلم تنفعهم المداواة.