ومن ذلك: (في ما) محجوز فِي أحد عشر حرفا.
أحدها فِي البقرة: (في ما فَعَلنَ فِي أَنفُسِهنّ مِن مَعروف) حرف"ما"يقع على حرف واحد من أنواع تنفصل بها المعروف فِي الوجود على البدلية أو على الجمع. يدل على ذلك تنكير المعروف ودخول حرف التبعيض عليه. فهو جنس مقسم. وحرف"ما"واقع على كل واحد منها على البدلية أو على الجمع كما ذكر.
وأما قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما فَعَلَنَ فِي أَنفُسِهِنّ بالمَعروف) فهذا موصول لأن"ما"واقعة على شيء واحد غير مفصل. يدلك عليه وصفه بالمعروف والمعرفة.
وكذلك: (في ما اِشتَهَت أَنفُسُهُم خالِدون) هو مفصول لأن شهوات النفوس مختلفة مفصلة فِي الوجود. وكذلك فتدبر فِي سائرها. فافهم.
ومن ذلك: (لَكَي لا) موصول فِي ثلاثة أحرف وسائرها منفصل. وإنّما توصل حيث يكون حرف النفي دخل على معنى كلي فيوصل لأن نفي الكل نفي لجميع جزئياته. فعلة نفيه هي علة نفي أجزائه. وليس للكلي المنفي أفراد فِي الوجود وإنما ذلك فيه بالتوهم الكاذب والخيال الشعري وتفصيل حيث يكون حرف النفي دخل على جزئي. فإن نفي الجزئي لا يفهم منه نفي الكلي فلا تكون علته علته.
ففي الحج: (لِكَيلاَ يَعلَم مِن بَعدِ عِلمٍ شيئاً) .
وفي الأحزاب: (لِكَيلا يَكونَ عَلَيكَ حَرَج) .
وفي الحديد: (لِكيلا تَأسوا) .
فهذه هي الموصولة وهي على خلاف حال: (لِكي لا يَعلمَ بعدَ عِلمٍ شَيئاً) فِي النحل لأن الظرف فِي هذا خاص الاعتبار. وهو فِي الأول عام الإعتبار لدخول حرف"من"عليه وهذه مثل قوله تعالى عن أهل الجنة: (إِنّا كُنا قَبلُ فِي أَهلِنا مُشفِقين) اختص المظروف بقبل فِي الدنيا فيها كانوا مشفقين خاصة.
وقال تعالى عنهم: (إِنا كُنّا مِن قَبلُ نَدعوهُ إِنّهُ هُوَ البَرّ الرَحيم) فهذا الظرف عام لدعائهم ذلك فِي الدنيا والآخرة ولم يختص المظروف ب (قبل) فِي الدنيا.