كما قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7] وأخذ من ذلك وجوب نفقة الولد على الوالد ، لأنّ اللّه أوجب نفقة المطلّقة على الوالد فِي زمن الرضاع لأجل الولد ، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه ، والوالد أقرب الناس إليه.
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يحتمل أن يكون كلا الفعلين مبنيا للفاعل ، ومبنيا للمفعول ، والمعنى قريب بعضه من بعض وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ المراد بالوارث وارث الأب ، وعليه مثل ذلك من رزقهن وكسوتهن وترك الضرار ، وفي ذلك دليل على أنّ أقارب الصبي تجب عليهم نفقته عند عدم الوالد ، وهو أصل فِي وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، وهو مذهب أبي حنيفة.
أما مالك والشافعيّ ، فيريان أنّ نفقة الولد على أبيه ، فإن مات ، ففي مال الصبي إن كان له مال ، وإلا فعلى الأم ، وليسا يوجبان نفقة إلا على الوالدين ، والآية ترد عليهما. إلا أن يحمل وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على ترك الإضرار فقط ، أو يريدان من الوارث الولد نفسه ، وقد ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما.
الفصل: الفطام ، وسمي بذلك لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات.
التّشاور: استجماع الرأي ، وقد أجاز اللّه أن يفطم الصبيّ قبل الحولين إن اتفقا على ذلك ، وشاورا أهل المعرفة فيه ، ولم يكن فِي ذلك ضرر بالصبي وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.
استرضع: قال الزمخشري: فعل ، من أرضع. يقال أرضعت المرأة الصبيّ واسترضعتها الصبيّ. فتعديه إلى مفعولين كما تقول: أنجح الحاجة. واستنجحه الحاجة.
والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، حذف أحد المفعولين ، للاستغناء عنه:
كما نقول: استنجحت الحاجة ، ولا تذكر من استنجحته ، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. وقد أجاز اللّه أن يسترضع الآباء المراضع أولادهم.
وهذا عند أبي حنيفة لخوف الضيعة على الولد عند الأم ، والتقصير أو الإضرار بالوالد فِي اشتغال الأم عن حقه بولدها ، أو الإضرار بالولد فِي الغيل ونحوه. فإن اختلفوا - نظر للصبيّ: فإن أوجب أن يسترضع له استرضع.
وقوله: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي ما أردتم إيتاءه ، وليس هذا شرطا لجواز الاسترضاع ، وإنما هو ندب إلى الأولى ، لتكون المرضع طيبة النفس راضية ، فيعود ذلك على الصبي بالنفع. وبقوله: بِالْمَعْرُوفِ متعلق بسلمتم: أمروا بأن يكونوا عند