ثم هي مقيدة بالإنفاق والقتال أيضًا؛ ومثلما الثناء على المهاجرين والأنصار لا يشملنا؛ لأن نزول القرآن فيهم لا فينا، فكذلك الثناء على المسلمين من بعد الحديبية إلى فتح مكة لا يشمل من أسلم عام فتح مكة أو بعد ذلك لنزول القرآن فيمن قبلهم.
أما إذا كانت الآية شاملة لهؤلاء المسلمين بعد الفتح فهي شاملة أيضًا لمن بعدهم إلى زماننا أيضًا؛ ولا دليل على التخصيص، بدليل قوله تعالى: {مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا} بالإطلاق دون تقييد، وهذا القول لا يقول به هؤلاء، وإنما يقصرون ذلك على من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا دليل، وعندئذٍ يبقى شرط (الإحسان) الذي سبق في الآية السابقة، بمعنى أن الله وعد بالجنة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أما المتبعون بغير الإحسان فلا يقال فيهم هذا.
وضابط الإحسان هو صلاح السيرة والاستقامة، وبهذا يخرج من التفاضل والوعد بالجنة من لم يحسن السيرة فهذا تفصيل يزيل الخلط في هذه المسائل، والخلط في هذه الأمور هو الذي سبب لنا الخلل الكبير والرؤية التعميمية التي خلطنا بها الطلقاء والأعراب مع السابقين، ومن نتائج هذا الخلط أو التعميم أن من تكلم في الوليد بن عقبة أو أبي الأعور السلمي أو الأشعث بن قيس أو معاوية بن أبي سفيان ونحوهم، جاءه بعض الناس محتجًا بهذه الآيات التي لم تنزل فيهم فينزلونها في غير ما أنزلت فيه، وهذا من سوء تفسير كلام الله تعالى.
وقوله تعالى: {مِن بَعْدُ} مثل قوله تعالى في الآية السابقة: {مِن بَعْدِهِمْ} فالبعدية في هذه الآية والآية السابقة يجب ألا نتناقض فيها ولا أن نفرق في تفسير (البعدية) في الآيتين.