للمجتمع الفلسطيني أينما كانت تجمعاته. إذ انهمكت في عملها رغبة منها في تحسين أوضاعها ومساعدة ذويها، وساهمت في تماسك المجتمع وحالت دون انفجارات اجتماعية كبرى. إلا أن جهودها لم تكن كافية لبلورة وعي «طبقي» منظم لأسباب عديدة. فالتحويلات المالية التي كان يرسلها هؤلاء، بالرغم من أنها تفوق مجمل الإنتاج بكثير في الضفة الغربية وقطاع غزة مثلًا لم تكن، بسبب غلاء المعيشة، لتؤدي إلى استقرار اقتصادي ومن ثم الدخول في صراع اجتماعي بقدر ما غطت الاحتياجات الضرورية للسكان وبالتالي تجميد الأوضاع. وهذا يعني أن السكان لم يتح لهم الوقت للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم أمام هيمنة الكبار وبات من المستحيل تبلور وعي «طبقي» كلما اتسع نطاق الهجرة لاسيما أن المهاجرين إما أن يكونوا إطارات مهنية أو كفاءات علمية أو مثقفين أو طلبة أو حتى قيادات سياسية، هذا فضلًا عن تدني التحويلات المالية بسبب التحاق الكثير من العائلات برب الأسرة في المهجر. وفي الشتات فقد بدت التجمعات الفلسطينية معزولة عن ذاتها خاصة وأنها تشكو من حالة اللجوء وانعدام الملكية والكثير من القيود المفروضة عليها في المجتمعات المحلية المضيفة [1] . ففيما عدا الأردن شكلت وثائق السفر حائلًا أمام الفلسطينيين للتنقل، وبالتالي تدنت فرصهم في اقتحام أسواق العمل الأخرى في الدول العربية. وأكثر الفرص التي أتيحت لهم كانت من نصيب الطلبة الراغبين في إكمال دراساتهم الجامعية أو ممن ينجحون في الحصول على عقود عمل في الخارج.
وأخيرًا، ثمة الشرائح الكادحة التي تضم ابتداءً عمال القطاعات غير المهيكلة كالبناء والخدمات والمزارعين وعمال الزراعة والموظفين في أدنى السلم الوظيفي وصولًا إلى العمال الموسميين والعاطلين عن العمل، وهذه الشرائح كانت تعتمد أكثر من غيرها على الإعانات التي كانت تقدمها وكالة الغوث الدولية.
ومن الملفت للانتباه أنه إذا وقع استثناء شبه كلي للمتنفذين والمتخصصين، فإن هذا التصنيف لا يقيم اعتبارًا لمحل الإقامة. أي أن الشريحة المتوسطة لا تتميز بمحل إقامتها ولا حتى الشرائح الكادحة. فلم يكن المخيم حكرًا على الفقراء ولم يكن كذلك خاليا من ذوي المداخيل المتوسطة أو حتى المرتفعة. وبالرغم من ارتفاع دخل بعض العائلات إلا أنها لازمت الإقامة في المخيم مثلما غادرته عائلات أخرى. وثمة أكثر من عامل لتفسير الحراك السكاني داخل المخيمات. فالنزوح من المخيم إلى خارجه ناتج عن زيادة في عدد السكان من جهة وتحسن في المداخيل من جهة أخرى، وبما أن المخيم ليس وحدة إنتاجية فإن تراكم رأس المال غالبًا ما يتجه نحو الخارج حيث قطاعات الإنتاج ومجالات الاستثمار متاحة. أما بقاء بعض العائلات في المخيم رغم ارتفاع دخولها فقد فسرته بعض العائلات بعوامل سياسية تتجلى في الرغبة في التعبير عن الهوية القومية أو بعوامل نفسية وموضوعية كالشعور بالأمن [2] . وعلى العكس من ذلك تفسر الهجرة نحو المخيم بعوامل اقتصادية أو خدمية،
(1) ثمة استعراض مسهب لحالة الفلسطينيين في الدول العربية غداة اللجوء في: الحوت (شفيق) .- الفلسطيني بين التيه والدولة - مرجع سابق. وخاصة، فيما يتعلق بحالة الفلسطينيين قديمًا وحاضرًا، لدى: براند (لوري. أ) . - الفلسطينيون في العالم العربي .. - مرجع سابق.
(2) مقابلات خاصة أجراها الباحث مع عدد من سكان المخيمات الفلسطينية في الأردن.