فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 413

مقدمة:

منذ ولادة المنطقة المسماة حاليا بـ «الشرق الأوسط» (1914 - 1922) وبروز الدولة اليهودية على أنقاض فلسطين وتمتعها بوضعية الدولة الأقوى لم تفارق ظاهرة العنف المنطقة حتى نهاية القرن العشرين. بل إنها إحدى أبرز الظواهر المألوفة منذ ما يزيد عن القرن. فالحركة الصهيونية والغرب الرأسمالي لم يتيحا مجالا لغير العنف سلوكا فُرض على «شعوب» المنطقة مذ توج بتقسيم الوطن العربي (1916) وأتى بعد ثلاثة عقود، جغرافيا، على أزيد من ثلاثة أرباع مساحة فلسطين و، ديمغرافيا، على نحو مليون مُهجّر من مواطنيها شُرِّدوا وخسروا ديارهم وممتلكاتهم وحتى وطنهم. وإذا كانت هذه بعض مدخلات الغزوة الاستعمارية العالمية على شرق الوطن العربي فإن مخرجاتها لم تسفر سوى عن احتلال ما تبقى من فلسطين ومزيدا من التمدد السريع نحو السيطرة على أراضي عربية محاذية (1967) فضلا عن إجبار السكان والأنظمة السياسية العربية، على حد سواء، على التعايش مع أنماط الحياة السياسية والاجتماعية التي تتسم بالفقر والقهر والإذلال. فتحولت المنطقة إلى بيئة تزخر في إنتاج العنف واحتضانه، الأمر الذي تمخض عنه توليد العنف المضاد عبر حركات المقاومة والاحتجاج بلا اختيار إلا نزولا عند رغبة التحدي الحضاري الذي تفرضه على الدوام الكولونيالية الرأسمالية والصهيونية على هذه المنطقة من العالم بمحتوى فريد لا مثيل له.

والآن، فإن تشخيص المشكلة الفلسطينية وفقا للمقالة السياسية المعاصرة لحالة الوطن العربي تُبيِّن أن فلسطين بقيت البلد العربي الوحيد الذي لم يحصل، لا فقط، على استقلاله السياسي بعد، بل أُنكر وجوده. أما سكانه فقد نالوا في أحسن الأحوال صفة «الطوائف الشرقية» ، بينما وصف اليهود في شتى بقاع الأرض بـ «الشعب» ذو «الصلة التاريخية» بفلسطين حسبما جاء في نصي «وعد بلفور» (1917) و «صك الانتداب» (1920) . وتبعا لذلك ظل القلق على الهوية والمصير يساور القيادة السياسية الفلسطينية زمن الانتداب على فلسطين (1917 - 1948) . وبعد قيام الدولة اليهودية بات البحث عن الهوية وإعادتها والسعي إلى تثبيتها محور تفكير ونشاط متصل لكل الحركات السياسية التي ظهرت في فلسطين أو خارجها بما فيها حركات المقاومة المعاصرة حتى استغرقت الهوية كل المقالة السياسية الفلسطينية وغاية كل الفعاليات الإستراتيجية لمختلف التشكيلات السياسية والاجتماعية المناهضة للدولة اليهودية. وخلاصة المسألة، حربا إسرائيلية على الهوية لجهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت