فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 413

الجزء الأول:

تاريخية ظاهرة الثورة الفلسطينية

عقدة الهوية بين الطمس والإحياء

قابل قيام الدولة اليهودية، التي استجمعت كافة أفرادها من شتى بقاع الأرض، وبنت مجتمعًا هجينًا ملطخًا بثقافات متعددة تنسب نفسها إلى تراث ديني وألوهي مزعوم، اختفاء مجتمع مندمج عبر قرون عدة متصلة تهاوى في أماكن متفرقة بحيث أن المسألة لم تعد تتصل بانهيار نسق اجتماعي يمكن إعادة بناءه ولا بتحطيم نسيج اجتماعي، بل هو اندثار لكليهما حتى أنه لم يعد ثمة وجود لا لتركيبة اجتماعية ولا لتركيبة جغرافية. وبوصفها الفاعل الإستراتيجي الأهم في هذه المرحلة باشرت الشرائح المتنفذة في «مجتمع النكبة» حراكًا سياسيًا نشطًا اتسم بشيوع الانقسامات السياسية وتوزع للولاءات في مستوى النخبة جراء طغيان سياسات التدخل العربية لاسيما في الأقطار المجاورة التي استهدفت الاحتواء الفوري لآثار النكبة كيما تتمكن من الانصراف إلى قضاياها الداخلية أو الخارجية دونما عوائق. وكان لهذا التدخل أثر مباشر وحاسم في انفجار الصراع السياسي العلني فيما بين تشكيلات القيادة في الحركة الوطنية الفلسطينية القائمة أساسًا على شرعية النفوذ الديني و (أو) العائلي. ولم يكن للصراع سوى وجهة واحدة، الاحتفاظ بالسلطة، بين مهيمن عليها أو ساعٍ لها. وكانت نتائج هذا الصراع مدمرة في وقت ما تزال فيه حشود اللاجئين تبحث عن مأوى أو تستوطن الخيام أو يفتك بها الجوع والمرض. إذ لم يعد بوسع الفلسطينيين أن يفعلوا شيء في ظل «غياب قيادة فلسطينية مسؤولة» والتفكك التدريجي المضطرد للحركة الوطنية الفلسطينية الذي اتسم بتجاهل سياسي عربي للقيادة التقليدية أو بتسليم طوعي أو قسري، للأمر الواقع. أي الاعتراف السلبي أو الإيجابي بالقيادات التقليدية الجديدة التي نجحت في إضعاف خصومها التاريخيين. أما في مستوى المؤسسات كالهيئة العربية العليا أو حكومة عموم فلسطين فقد تحولت إلى مجرد مكاتب إدارية في مقر جامعة الدول العربية.

وإجمالًا كانت الخسارة التي تعرضت لها القضية الفلسطينية أشد قسوة. إذ نجحت الأمم المتحدة والدول الكبرى ووكالة الغوث في إلغاء أي وجود سياسي أو قانوني دولي بعد أن أُسقطت «القضية الفلسطينية» ، كبند مستقل، من على جدول الأعمال السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1953 واكتفي بمناقشة «مشكلة اللاجئين» باعتبار أن لهم حقوقًا اقتصادية واجتماعية وليس حقوقًا سياسية. وحتى عربيًا لم تعد القضية الفلسطينية تناقش إلا كذلك. وكما لو أنه لم يكن، في يوم ما، أمة أو مجتمع قائم في فلسطين منذ قرون وقرون. وكان لهذا التطور على القضية الفلسطينية أن جرد نحو 900 ألف فلسطيني، طردوا أو هُجّروا، من هويتهم السياسية وتراثهم وحضارتهم.

وفيما بين سنتي1953 - حزيران1964 كانت الهوية الفلسطينية قد اختفت. وتسبب هذا الاختفاء بذعر بين اللاجئين الذين لمسوا موقفًا متعاطفًا ومناصرًا لهم من قبل الشعوب العربية فيما كانت أجهزة السلطة على النقيض من ذلك. و «حتى كلمة"فلسطين"حرّمتها بعض الأنظمة العربية، واعتبر تردادها، ولو من قبيل التعريف عن الهوية، استفزازًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت