ليست إلا حلا لقضية محلية ضيقة الحدود والأهداف وفي إطار من الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي. ومثل هذه الحركات لن تبلغ من قوة وتأثير ما بلغته الثورات العالمية حتى وإن تحولت إلى نموذج تتمثله مجتمعات مجاورة أو أخرى مستعمرة، فضلا عن أن هذه الحركات لا علاقة لها بأية مسائل أو أهداف عقدية.
والسؤال الآن: هل يسمح هذا التعارض بتحديد نشاط الجماعات الفلسطينية المسلحة فيما إذ كانت حركات تحرر؟ أم تعبيرا عن ثورة؟
الذي عايش سنوات الخمسينات من القرن العشرين قلما يخالجه شعور بأن الثورة بمعناها التقليدي كانت مطلبا جماهيريا عربيا ملحا ليس ردا على وقوع النكبة (1948) فحسب، بل وردا على نتائج حربين عالميتين أسفرتا عن انهيار لنظام الخلافة الإسلامي وتجزئة الوطن العربي وتفكيك لعرى التواصل بين جنبات الوطن الواحد ... حتى استفاق الناس على نكبة من نوع مختلف لم يسبق لهم أن خبروها حتى في المخيال الشعبي. فلم يسبق لأية قوة غازية في التاريخ العربي والإسلامي أن خلفت نتائج مصيرية حاسمة من هذا النوع الذي خلفته الهجمة الاستعمارية الأوروبية على الوطن العربي في مطلع القرن العشرين، وبالتالي فإن حالة الغضب والاحتقان والشعور بحجم الإهانة غير المسبوقة والتي لحقت بالأمة العربية ما كان لها أن تمر دون الاستعداد لثورة شاملة في وقت مبكر وعلى المستوى العربي برمته.
ولكن؛ لأن أشد حالات الغضب والاحتقان استوطنت لدى الفلسطينيين الذين ظلوا يعيشون في رحم الدولة اليهودية الدخيلة وبين جموع اللاجئين في الشتات؛ ولأن هؤلاء كانوا مهيئين للثورة أكثر من غيرهم فقد شكلوا مهد الثورة المنتظرة لا لتعبر عن حاجة فلسطينية فقط بل عن وضعية ثورية عربية شاملة قدمت نفسها كطليعة عربية حتى وإن ظهرت بصيغة فلسطينية الشكل [1] . في هذا السياق وغيره كالخشية من امتلاك الكيان الصهيوني لأسلحة ذرية وتجذر خطر الدولة اليهودية، فمن الممكن وصف النشاطات الفلسطينية المسلحة باعتبارها نواة لثورة عربية شاملة أكثر منها حركة تحرر.
ولكن هل يعفي هذا التوصيف الانطلاقة الفلسطينية المسلحة سنة 1965 من كونها حركة تحرر أكثر منها ثورة؟
لا ريب أن الانطلاقة التي فجرتها حركة «فتح» لم تكن مجرد استجابة لواقع عربي مهموم بقدر ما عبرت كذلك عن حاجة فلسطينية ماسة للملمة الشتات الفلسطيني من حالة اليأس والإحباط لاسيما بعد طي صفحة القضية الفلسطينية عربيا ودوليا لسنوات طويلة. بمثل هذه الأهداف المحلية فمن شأن الثورة أن تتحول إلى مجرد حركة تحرر وطني سيكون التخلص من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني من أولى أولوياتها، وهو ما جرى إثباته
(1) (شددت"فتح"دائما على أن الثورة الفلسطينية هي فلسطينية الشكل، عربية الجوهر والمضمون وعالمية المحتوى.