فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 413

والثورة الفلسطينية عامة في امتحان مصيري. فقد مثلت المعركة لحظة حاسمة لانفجار ثوري شعبي عربي طالما حلمت به «فتح» التي جهدت لأن تتحول إلى حركة الجماهير المناضلة. وخلافا للتمنيات أثبت الواقع أن لا «فتح» ولا غيرها من التنظيمات كانت مهيأة تنظيميا لخوض حرب تحرير شعبية. وأن عدم القدرة على استيعاب الدفق الجماهيري الناجم عن الشعور بالثقة أدى إلى إغراق الثورة في بحر من الجماهير في وقت غير ملائم بالنظر إلى قدراتها التنظيمية المحدودة والتي لم يسبق لها أن اختبرت في هذا المجال. ويبدو أن خيال القيادة الفلسطينية آنذاك لم يكن ليتسع لحركة جماهيرية بمثل ما خلفته معركة الكرامة خاصة وأن أحدا من قادة «فتح» بالذات لم يعد ينكر عجز الحركة عن استيعاب التدفق الجماهيري الفلسطيني والعربي الذي اندفع بعشرات الآلاف سعيا للانضمام إلى الثورة. وأن التعامل مع الجماهير أفرادا وجماعات بات صعبا للغاية وغير مجد. ومثلما يرى خالد الحسن، فقبل المعركة كان إعداد العضو، في إطار تشكيل الخلية، يستغرق سنة من الوقت. وبعدها أصبح تثقيف سكان المخيمات الفلسطينية يتم عبر المحاضرات والندوات ووسائل الاتصال الجماهيري المباشر. وما بين الخلية والجماعة ثمة فرق كبير في نوعية المادة التثقيفية والوقت المتاح لها [1] . ولعله خطأ استراتيجيا ارتكبته الثورة لما قبلت التحدي العسكري الإسرائيلي علما وأن المسؤولين الأردنيين نصحوا قادة «فتح» بالانسحاب إلى داخل الأراضي الأردنية لتجنب المواجهة المباشرة ولكي تأتي الضربة الإسرائيلية في الفراغ. ويؤكد صلاح خلف على صحة التحذيرات الأردنية بـ «المطلق» طبقا لقوانين حرب العصابات، إلا أن الفدائيين غلّبوا الرغبة في استعادة الثقة بالنفس على غيرها من المحاذير [2] . ومن الواضح أن لا هذا الطرف ولا ذاك اهتم بوجهة نظر الآخر، ولا أخضع أي منهما حساباته لرؤية استراتيجية أو اتخذ مواقف حاسمة أبعد من التفكير في لحظة المواجهة المنتظرة.

ثانيا: مجتمع الثورة عند التيار اليساري

من المعلوم أن الجبهة الديمقراطية سجلت في انشقاقها عن ائتلاف الجبهة الشعبية، بعد عام بالضبط على وقوع معركة الكرامة، انطلاقة اليسار الفلسطيني الجديد. ثم تبعتها الجبهة الشعبية باعتناق الأيدولوجية الماركسية - اللينينية فضلا عن منظمات أخرى أعلنت استرشادها بها. وانطلاقا من المقولة الشهيرة «لا ثورة بدون نظرية ثورية» فمن الطبيعي ألا يكون لمجتمع الثورة أي وجود نظري أو عملي قبل سنة 1969. لذا سنعتمد على

(1) كوبان (هيلينا) .- ... المنظمة تحت المجهر - مرجع سابق - ص 89.وكذلك ص106

(2) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق/ص 102 - 103. ويقول"خلف"أن"فتح"تلقت رسالة من"غازي عربيات"، مسؤول في المخابرات الأردنية، الذي أطلعهم، في اللقاء الذي وقع في أحد منازل"الكرامة"في 10 آذار/مارس بعد إلحاح منه، على معلومات مصدرها وكالة المخابرات المركزية الأميركية ( C. I . A ) تفيد بأن إسرائيل سوف تشن هجوما واسع النطاق على قواعد المقاومة. ونصحهم بالتروي والذهاب إلى عمان"لمقابلة"اللواء عامر خماش قائد الأركان العامة للجيش الأردني. وحصل اللقاء في 18 آذار / مارس، قبل ثلاثة أيام من بدء الهجوم. وأخبرهم"خماش"أن الهجوم سيكون في الأيام الثلاثة المقبلة، و ألحّ بأن قيادة"فتح"ترتكب خطأ جسيما إذا ما عرضت نفسها لضربات العدو، لذا ينبغي التصرف بسرعة و اتقاء ذلك بأسرع ما يمكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت