وبعد أربعة شهور من الاندماج باشرت «الكتائب» بهجماتها الانتقامية بسلسلة من الأعمال الحربية، على نمط حرب العصابات، وتميزت بطابع الاغتيال والتدمير لأهداف ارتؤي أنها معادية في كل من بيروت ودمشق. بيد أن صراعات نشبت بين المجموعات حول جدوى «العنف السياسي في النضال القومي» ما لبثت أن بلغت ذروتها مع انفصال المجموعات المصرية التي رفضت التوقف عن ممارسة العنف والتوجه نحو العمل الجماهيري. وبعد شهور سبقت العام 1950 تُوِّج خلافها بتنظيم محاولة فاشلة لاغتيال أديب الشيشكلي معاون رئيس أركان الجيش السوري أدت إلى كشف المنظمة السرية وضربها [1] .
تأسست في أوائل الثلاثينات، وكانت عبارة عن منتدى أدبي يضم عددًا كبيرًا من طلاب وأساتذة الجامعة الأميركية. وكان في عضويتها قسطنطين زريق أشهر منظريها بالإضافة إلى آخرين أمثال فاضل الجمالي وإسماعيل الأزهري، الرئيس الأسبق لجمهورية السودان، وحيدر عبد الشافي الذي تبوأ فيها عضوية اللجنة التنفيذية سنة 1936 لما كان طالبا. ولكنها تحولت إلى جمعية سياسية قومية طلابية غداة النكبة [2] . وبعد حل «الكتائب» نهائيًا قبل العام 1950 واعتقال الكثير من قادتها من بينهم هاني الهندي، وبسبب اعترافات توفيق حسين لجأ جورج حبش إلى ساحة الجامعة الأميركية التي كانت تعج آنذاك بالحركات السياسية مستعينًا بذلك ببعض الأصدقاء القدامى والمخلصين في الجامعة. وبداية لا بد من الإشارة إلى أن نهاية «الكتائب» كانت فرصة ملائمة لجورج حبش للتخلص من التراث القديم والتوجه نحو النضال الجماهيري الذي كان يدافع عنه زمن «الكتائب» . وقد حاول الدخول في تحالفات جبهوية [تنسيق الأهداف والاحتفاظ بالاستقلال الأيديولوجي] مع التيارات السياسية في الجامعة. وقد فشلت المحاولة مع الشيوعيين بسبب التزامهم بالخط السياسي للأحزاب الشيوعية المؤيدة لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة. كما فشلت محاولة أخرى مع الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي يدعو إلى وحدة تشمل سوريا الكبرى وهو ما اعتُبر خطرًا يهدد الدعوة إلى الوحدة العربية الكاملة. وفشلت آخر المحاولات مع حزب البعث لأن مجموعة القوميين القادمة أرادت التركيز على الوحدة العربية انطلاقًا من التزامها بالقضية الفلسطينية ورفضت دعوة «البعث» حول «الاشتراكية» بحيث يتم «توجيه ضربة مزدوجة، في وقت واحد، للنفوذ الأجنبي والاستغلال المحلي» . كما رفض القوميون «النزعة البادية لدى البعثيين باتجاه تقديس الأفراد» [3] .
هكذا نظمت مجموعة القوميين صفوفها بقيادة جورج حبش وخاضت انتخابات اللجنة التنفيذية للجمعية، ووسط دهشة الجميع نجحت المجموعة بالسيطرة على اللجنة التنفيذية وأقصت التيارات الأخرى، وقد التحق
(1) نفس المرجع.- ص25 - 26.
(2) جلول (فيصل) : حركة القوميين العرب، قراءة جديدة لتجربة في ذمة التاريخ - الفكر العربي - معهد الإنماء العربي - بيروت، لينان - تموز (يوليو) ، آب (أغسطس) 1982 - ص 182.
(3) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب ... - مرجع سابق / ص 27 - 28.