أن مصادر تؤكد أن قرار الانطلاقة اتخذ حقيقة بأغلبية صوت واحد فقط [1] ، الأمر الذي يكشف عمق الخلافات وخطورتها. وكان جوهر الانقسامات يتمحور فيما اعتبره المعارضون محاولة سابقة لأوانها بصورة خطيرة من حيث العدد والتجهيز. كما أنه لا بد من انتظار الوقت الذي تصبح فيه «فتح» حركة جماهيرية. وعلى النقيض تماما كانت رؤية المؤيدين أن الوقت ناضج لممارسة الكفاح المسلح وهو (الوقت) كفيل بأن تتحول «فتح» إلى حركة جماهيرية [2] فكانت الانطلاقة صبيحة اليوم الأول من سنة 1965.
وغداة وقوع الكارثة (حرب 1967) بأيام عادت المشكلة إياها للظهور. ففي الثاني عشر من حزيران/ يونيو 1967 انعقد مؤتمر في دمشق بعيد سحب الرئيس جمال عبد الناصر لاستقالته. وبنفس الحدة التي ميزت اجتماعات خريف العام 1964 انعقد المؤتمر في جو محموم، ولكن ليس لتقدير إمكانات الحركة ماديا وجماهيريا بل من أجل الإجابة على أسئلة ملحة تتصل أساسا فيما إذا كان على الثورة أن تلتزم بقرار وقف إطلاق النار رقم «242» الصادر عن مجلس الأمن الدولي أم لا؟ وهل يعنيها القرار؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فهل بمقدور الحركة أن تباشر الكفاح المسلح على الفور؟ ثم هل تأمن الحركة من إثارة انتقامات رهيبة توقع على السكان قي الضفة الغربية المحتلة؟ باختصار كان الغرض من المؤتمر «مناقشة جدوى وملاءمة استئناف الكفاح المسلح» . وفي أعقابه تبين أن كل الاشكالات استُبعدت وجرى التعويض عنها باتخاذ المؤتمر لعدة إجراءات تنفذ على امتداد شهرين أهمها جمع الأسلحة التي خلفتها الجيوش العربية في ساحات المعركة أو في مخازن السلاح والمباشرة في شراء الأسلحة والاتصال بالأثرياء الفلسطينيين لجمع التبرعات وتوفير المال اللازم حتى من الدول العربية فضلا عن إبلاغها أو استشارتها حول نوايا الحركة باستئناف الكفاح المسلح. وفعليا، ما أن حل 31 آب / أغسطس حتى انطلقت الغارات الأولى ضد القوات الإسرائيلية [3] .
أما الاختيار الحاسم لصحة الانطلاقة من حيث التوقيت فقد جاءت مناسبة إثر معركة الكرامة (1968) التي أسفرت عن هزيمة إسرائيلية عسكرية محدودة ولكنها شديدة الإيلام بسبب الصمود القوي للثورة الفلسطينية والجيش الأردني. وبينت المعركة مدى صلابة الثورة عسكريا وتصميما على مقاتلة إسرائيل غريمة العرب أجمعين وليس الشعب الفلسطيني فحسب لاسيما في حالة حرب محدودة. غير أن لـ «الكرامة» جانب آخر وضع «فتح»
(1) كوبان (هيلينا) .- المنظمة تحت المجهر - مرجع سابق - ص 64. نقلًا عن: الوثائق العربية الفلسطينية - 1965 - ص1.
(2) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق -ص80 - 81. وفي الصفحتين: المؤيدون هم: ياسر عرفات، صلاح خلف، خليل الوزير، محمد يوسف النجار، محمود عباس، فاروق القدومي، خالد الحسن، سليم الزعنون، محمد غنيم وسواهم. والمعارضون: حسب"خلف"اثنين هما يوسف العرابي ومحمد حشمت. ويقول أنهما مواليان لسوريا وذوا نزعة بعثية وإعداد عسكري، وقد قتلا في نهاية شهر شباط / فبراير 1966 ولم يتضح حتى الآن كيف قتلا، غير أن السلطات السورية شنت حملة اعتقالات ضد قادة في"فتح"جُرِّموا بالاغتيال وهم: ياسر عرفات، خليل الوزير، وليد نمر عقاب وممدوح صيدم إضافة إلى سبعة آخرين أقل شأنا.
(3) نفس المرجع.- ص 95 - 100