ولقد استمر «انعدام الوزن» حتى سنة 1956 حيث ستتغير الحالة نسبيًا وباضطراد كلما تفتحت مصر على انتمائها العربي وهويتها الدستورية إلى أن تصل إلى القمة بإعلان دولة الوحدة مع سوريا سنة 1958. فبعد حرب السويس (1956) تحولت الجماهير العربية، ومنها الفلسطينية على الخصوص، نحو مصر، ونحو الرئيس عبد الناصر. ولم يكن آنذاك أي فكر قومي لمصر. أما عبد الناصر فكان صانع أحداث قومية وليس مفكرًا قوميًا. وعلى هذا الأساس تعلقت الجماهير المسحوقة، أكثر من غيرها من الفئات الاجتماعية، بشخصية عبد الناصر السياسي الذي سيحرر فلسطين ويطرد الاستعمار كما طرده من السويس وسيناء وغزة. ولم يكن تنصيبه زعيمًا عربيًا على أساس الفكرة القومية التي لم تكن واضحة حتى في عقول الحزبين إنما على خلفية الحرب العدوانية التي شنت بسبب تأميم قناة السويس وعلى خلفية تمصير الاقتصاد، وهاتان لا يمكن اعتبارهما، في حينه، عملا قوميًا عربيًا، إنما سياسة مصرية داخلية اكتسبت طابعًا قوميًا لفت انتباه مصر التي أدركت حجمها العربي وأهمية انتمائها إلى العروبة، وعلى ضوء ذلك ظهرت الناصرية تيارًا قوميًا كاسحًا. أما التأييد الشعبي الفلسطيني الجارف لمصر فلا يمكن تفسيره إلا بكونه مثَّل «لحظة وزن» ، لحظة انعتاق من الحصار السياسي المفروض عليه. فكانت محاولة قاطعة من الفلسطينيين للاحتماء بعبد الناصر جدار القوة، الذي فجرت إنجازاته القطرية الأولى منظومة العلاقات الدولية وقلبتها رأسا على عقب. وفي هذه «اللحظات» تنفس الفلسطينيون الصعداء وبدأت مرحلة الشعور بالذات والتعبير عن كينونتها دون وجل.
ولكن كيف جرى التعبير عن هوية فلسطينية مستقلة يؤرَّخ لها من عند العام 1959 حيث «رعب» القومية الناصرية؟ لعل حركة «فتح» مقدمة على خوض مجازفة لا تحمد عقباها بالنظر إلى وصم دعوتها بالقطرية الإقليمية، الشوفينية، وفوق كل هذا دعوة «توريطية» بما أنها تبشر بالكفاح المسلح. والسؤال هو: هل ثمة ما يبرر الطرح القطري ولمَّا يكن هناك بعد من يتبناه أو يدافع عنه؟
لقد عبر الفلسطينيون، بقطع النظر عن الاضطهاد الذي مورس ضدهم، عن هوية قومية لا عن هوية مستقلة. وجاء التعبير عن هذه الهوية في صيغة: «"عربي- فلسطيني"، وهي صيغة لها جذورها التاريخية منذ أن"كانت"العروبة"في فلسطين هي وحدها الراية وهي وحدها الهوية ... فالفلسطينيون - سياسيًا - هم وحدويون منذ البدء، لا عقد ولا رواسب موروثة، ولا مصالح ولا امتيازات مكتسبة، تجعلهم يكونون غير ذلك» [1] . لذا فقد اندرج الفلسطينيون في الأحزاب العربية التي تمخضت عقائدها عن إشكالية الفصل أو الدمج بين ثنائية الوحدة والتحرر. فثمة من يدعو إلى تحقيق الوحدة (الثورة السياسية) من أجل التحرير وليس التحرر. وثمة من يزاوج بين الوحدة والتحرر (الثورة الاجتماعية) من أجل التحرير. هذا يعني أن الهوية القومية، في مرحلة معينة، لم تستطع التوفيق بين الأطروحتين القوميتين من أجل الوصول إلى هدف محدد هو «التحرير» ، فكان العداء الحزبي والصراع العقائدي المدخل"
(1) الحوت (شفيق) .- ... بين التيه والدولة - مرجع سابق - ص 40.