المعيارين، فإننا نتساءل عن مكانة الظاهرة الجهادية؟ وقبل ذلك، عن أية ظاهرة يُرجى التساؤل؟ وفي أي مكان؟ وهل تنسحب التساؤلات على «الشعب الفلسطيني» ؟ أم على «المجتمع الفلسطيني» ؟
كنا في مطلع البحث قد استعملنا المقاربة الطبقية، إجرائيا، لإعادة تركيب المجتمع الفلسطيني المفقود. وقلنا أن المجتمع المركب هو مجتمع افتراضي غالبا ما جرى التعبير عنه بصيغة «الشعب الفلسطيني» وليس «المجتمع الفلسطيني» باعتبارها صيغة تستجيب للشتات بالرغم من أنها لا تخضع للشروط العلمية في التحليل الاجتماعي التقليدي. وها نحن الآن بصدد بنية اجتماعية تقع في صلب المجتمع الافتراضي بما أن «السرايا» تعبر في واقع الآمر عن شتات لأفراد وجماعات تنتشر على امتداد المجتمعات العربية خاصة في مصر وبلاد الشام. وفيما عدا مجموعة طلبة القاهرة، قبل أن تتشكل «حركة الجهاد الإسلامي» منها، فإن الغالبية الساحقة من الأفراد والجماعات الأخرى هم ممن تفرغوا في الثورة الفلسطينية منذ انطلاقة حركة «فتح» أو غداتها أو ممن انتموا إلى جماعة «الإخوان المسلمين» أو جماعات أخرى. وحتى منتصف السبعينات كان هؤلاء يوصفون بـ «البرجوازية الصغيرة» التي سبق وأشرنا إلى كونها طبقة صغيرة جدا تضخمت غداة النكبة بفعل التعليم الذي شكل الدينامية الحاسمة في التحولات الاجتماعية آنذاك. أما الآن، حين تكوُّن «السرايا» ، فمن المحتمل أن قطاعات لا بأس بها من هؤلاء قد تحسنت وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية حيث يعيشون. وبعضهم الآخر لم تتغير وضعيته. وهذا الأمر ينطبق بالدرجة الأساس على لجنة التنظيم أو بمعنى أشمل «العامل المساعد» .
وعلى الرغم من الرصيد السياسي والاجتماعي الكبير الذي تمتع به «العامل المساعد» إلا أنه نأى بنفسه عن خوض الصراع الاجتماعي والبحث عن مكانة اجتماعية أو اقتصادية لاسيما أن المؤسسين له إما لاجئون (1948) أو نازحون (1967) أو مبعدون عن الأراضي المحتلة سنة1967. وبالتالي لم تتح لهم فرصة الاستقرار الاجتماعي أو أنهم لم يسمحوا لمبدأ السلامة بالتشويش على توجهاتهم، على الأقل، حتى اغتيال محمد بحيص ومحمد التميمي في شباط/فبراير1988. أما بعد ذلك فليس لدينا معلومات عن البنية الاجتماعية للعامل المساعد الذي اختفى باختفاء «السرايا» بعد حرب الخليج الثانية.
وفيما يتعلق بالجماعة الإسلامية في السجون فهي مثل «العامل المساعد» تقع في إطار الشعب الفلسطيني. ومع ذلك فهي ليست وليدة التحولات الاجتماعية أو السياسية بقدر ما هي وليدة مجتمع السجون بامتياز. فالفئة المتنفذة منها قضت في السجون الإسرائيلية ما لا يقل عن 12 - 15عاما متصلة أو يزيد. وارتبطت نضالاتها بالنكبة والاضطهاد السياسي وليس بالتخلص من الاحتلال أو الاضطهاد الاجتماعي، لهذا استأنفت نشاطاتها فور تمتعها بالحرية متجاهلة المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تحظى بها من قبل المجتمع الفلسطيني في الداخل أو من قبل الشعب الفلسطيني. وقد لعب التوجه الديني التاريخي ومستوى الوعي الديني بالقضية الفلسطينية الدور الحاسم في اختياراتها. وفي هذا ما يفسر ابتعادها التام عن التفاعل مع المجتمع وتركيز جهودها على العمل العسكري والتنظيمي.