فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 413

إن معاينة المقالة الأيديولوجية والسياسية لتنظيمات الظاهرة الجهادية في فلسطين، حاليا، أسهل من المعاينة التاريخية لها، حيث يشكل التصدي لها بالبحث مغامرة ربما تؤدي إلى ورطة لما تكتنفه من غموض ظل يتراكم عبر سنوات طويلة. فالجماعات الإسلامية بالرغم من وحدة التصور والاعتقاد لم تستند إلى نظرية عمل مركزية كما فعلت المنظمات الفدائية باعتمادها مبدأ الكفاح المسلح مصدرا للشرعية في حينه ولمَّا يزل صالحا بعد. أين المشكلة إذن؟ هل هو قصور في العقيدة التي أنجبت أمة إسلامية ذات بأس وسلطان؟ أم في الظروف التاريخية والسياسية التي أملت تأويلات معينة فككت وحدة العمل وقدمت مقالات نظرية متنوعة باعدت فيها ما بين الفاعلين الإستراتيجيين في الحقل الإسلامي أفرادا وجماعات؟

من النادر جدا ملاحظة جماعات إسلامية متعددة وذات قضايا خلافية مركزية قبل العام 1954. غير أن الدارس للحركة الإسلامية في المشرق العربي يلاحظ أن الغالبية الساحقة من التيارات الجهادية وغير الجهادية، بما فيها ذات النزعات الانقلابية أو الداعية إلى تأجيل الجهاد أو التي تحللت من مسؤوليته، قد مثلت، بشكل أو بأخر، خروجا على جماعة «الإخوان المسلمين» . ولأن الجماعة تتباهى في كونها «الشجرة الباسقة» ، والتي تحملت، تاريخيا، عبء الأمة الإسلامية والنهوض بها مجددا لذا فهي تتحمل، نظريا، الجانب الأكبر من المسؤولية تجاه تفكك الحركة الإسلامية وتباعد أهدافها وتباين مدارسها وأطروحاتها، ذلك أن القضية الخلافية المركزية تتمحور حول مسألة الجهاد ومفهوم «الإخوان المسلمين» له والذي أدى إلى انفلات عدة تيارات من عقالها بعد الاصطدام بالسلطة المصرية (26/ 10/1954) الأمر الذي أدى إلى انكفائها والسماح ببروز تيارات إسلامية جديدة لم تكن لتصبح ذات شأن لولا هذا الانكفاء. ففي ذلك التاريخ اتُّهمت الجماعة بتدبير اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء في حكومة محمد نجيب. ولم يمض وقت قصير حتى امتلأت السجون بآلاف الأعضاء والأنصار. وتَقرَّر حل الجماعة؛ فشرَّعت المحاكم أبوابها لتصدر قرارات بإعدام سبعة من القيادات نُفذت في ستة منها (7/ 12/1954) ونجا منها المرشد العام حسن الهضيبي بسبب كبر سنه (63 عاما) . وبدأت المعاناة في السجون على يد الشرطة المصرية الشهيرة بممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بغض النظر عن الحكومة القائمة [1] . وبلغ الكره والتحريض ضد «الإخوان» حدا دفع السجانين لارتكاب عدة مذابح كان أشهرها مذبحة سجن «ليمان- طُرّة» حيث أُطلقت النيران على سجناء الجماعة وهم في الزنازين فقُتل العشرات منهم وأصيب المئآت بجراح. وبدا واضحا لـ «الإخوان» أن الحكومة - القضاء - الشرطة عازمون على تصفيتهم جسديا حتى لو كانوا

(1) ميتشل (ريتشارد. ب) .- الإخوان المسلمون - ترجمة: محمود أبو السعود / تعليق: صالح أبو رقيق - الطبعة الأولى، 1979 - الحاشية 101 / ص 162. ولأن مكان النشر غير ظاهر على الطبعة نشير إلى أن النسخة حصلنا عليها من مكتبة جامعة اليرموك الأردنية وتقع تحت التصنيف: JQ 3898.M 87,M 5712 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت