باتت الجبهة الشعبية التي صدر أول بيان تأسيسي لها في 11/ 12/1967 الوريث الشرعي الوحيد لحركة القوميين العرب بعد انسحاب «القيادة العامة» بعناصرها وإطاراتها والانشقاق المعنوي الكبير للتيار الماركسي في صلب الحركة والذي استقل في صيغة الجبهة الديمقراطية. والسؤال الآن، كيف تحولت الحركة، إثر هزيمة حزيران، أيديولوجيا من تنظيم قومي - اشتراكي عربي إلى تنظيم ماركسي- لينيني؟ ثم كيف جرى التحول تنظيميًا من حركة متعددة الفروع إقليميًا إلى جبهة ذات معالم تنظيمية محددة؟
أول ما يستوقف البحث هي الاجتماعات المكثفة التي دارت في صلب الحركة عقب حرب العام 1967 والتي مثلت انفجارًا حطم أيديولوجية القومية والاشتراكية العربية بكليتهما. فقد كانت حركة القوميين العرب أول حزب قومي يعترف بأن أيديولوجيته وبرنامجه السياسي قد هزما فتم التخلي للمرة الأولى، عن المفهوم الذي اعتبر الشعب «كلًا» واحدًا، كما أنه تم التخلي عن الفرضية التي تعتبر «الناس أحرارًا، وأنه لا يمكن التعديل على حرية الناس إلا إذا نظمت الجماهير نفسها .. ونجحت في خوض نقاشات ديمقراطية» . وكانت النقطة المركزية في النقاشات الدائرة التي اعتمدت أدوات التحليل الماركسية قد لخصها «الكبيسي» وعلق عليها على النحو الآتي: «لا الحكومات التقدمية في مصر وسورية والعراق والجزائر ولا «حزب البعث» و «حركة القوميين العرب» ولا الأحزاب الشيوعية تمثل مصلحة الجماهير. فهؤلاء يمثلون مصالح الطبقة البرجوازية الصغيرة التي هزم برنامجها السياسي في حرب حزيران»، كما أشارت النقاشات «إلى الحكومات البرجوازية الصغيرة التي كانت لها مصلحة في تقليص الإقطاعيات الكبيرة والرأسمالية والتي ليست لها مصلحة في حكم البلاد بصورة ديمقراطية خشية تعرض الامتيازات الجديدة التي اكتسبتها للخطر .. فضلًا عن أن هذه الامتيازات قد جعلت أنظمة البرجوازية الصغيرة غير قادرة على استمرار الحرب ضد إسرائيل حتى النهاية» . ويستنتج «الكبيسي» : «أن تاريخ أنظمة العسكر في الأقطار العربية لا يدعم الفرضية التي ترى أنها تمثل مصالح الطبقة البرجوازية الصغيرة. وعلى العكس من ذلك فإن هنالك سبب للاعتقاد بأن هذه الأنظمة تعمل ضد مصلحة قطاعات كبيرة من الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى» [1] .
وقد توجت النقاشات بإصدار اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب البيان السياسي الشهير في شهر تموز/ يوليو سنة 1967، وفيه نلحظ، للمرة الأولى، التمييز بين نمطين من الاستعمار، الأول: هو الاستعمار التقليدي
(1) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق - ص 73. وأوسع تحليل فيما يخص أنظمة العسكر في الشرق العربي يمكن الاطلاع عليه لدى: النقيب (خلدون حسن) .- الدولة الفلسطينية ... - مرجع سابق.