منذ أواخر سنة 1968 وحتى مطلع سنة 1969 لم يكن في السجون الإسرائيلية سوى 3 - 4 مجموعات إسلامية تنتشر على مساحة السجون الإسرائيلية «دون أن يكون لها اهتمام إلا من ممارسة الشعائر الدينية المتاحة خاصة أداء فروض الصلاة» . أما كيف انتشرت هذه المجموعات المتناثرة وأضحت تعبّر عن تيار إسلامي جهادي فيمكن الإشارة إلى ثلاثة أسباب مركزية:
-الإسلام باعتباره خاتم الأديان ودين الواقع والفطرة.
-الأيديولوجيات الإلحادية كالماركسية والفوضوية.
-تدخل إسرائيل في ممارسة أركان العقيدة.
فمن تقاليد الجيش الإسرائيلي إزاء الأسرى المسلمين منعهم من أداء الصلاة والصوم أو المناداة إلى الصلاة (الأذان) . وإذا تعذر ذلك فيقع إجبارهم على أداء الصلاة فرديا وطبقا للوقت الذي تحدده إدارة السجن. وبعد صدور الأمر بالصلاة بخمس دقائق يمنع أي فرد أو جماعة من الاستمرار في الصلاة تحت طائلة العقوبة. ويعلق حشد من السجناء على هذه الوضعية بالقول: «إن التاريخ اليهودي هو تاريخ مؤامرات. فعندما تسمع بـ «اليهودي» يخيل إليك بأن مؤامرة ما تحاك أو أنها حيكت بالفعل. إذا حدثت كارثة أو فتنة فيقال لك، حسب المثل الفرنسي، فتش عن المرأة. ونحن نقول فتش عن اليهودي. فقد كانوا عبر التاريخ ضعاف ويكرهون الآخرين فامتهنوا التآمر ضد غيرهم. ولهذا أخرجهم الرسول من المدينة. وفي هذه الأيام يكفي أن تسمع بيهودي من حولك حتى تصاب باستفزاز في مشاعرك. فكيف يمكن أن تقبل منهم أن يحددوا لك موعد الصلاة أو يمنعوك عن عبادة ربك؟ أو يتدخلوا في دينك كيف ومتى يشاؤون!؟».
وقد صادف أن رافقت هذه الوضعية بروز التيار الفوضوي اللامنتمي والذي بلغ عدد معتنقيه أكثر من مائة سجين في كل السجون خاصة في سجني عسقلان وبئر السبع. واشتهر هؤلاء بـ «التيار الديمقراطي» الذي تزعَّم الدعوة إلى الحرية الشخصية بعيدا عن التقيد بالأطر التنظيمية. وكانوا يجدون طراوة من بعض دعاة الماركسية، نظرا لاقتراب الفكر الماركسي في مراحله الأخيرة (الشيوعية) من الفكر الفوضوي. وقد خرج الكثير من العناصر الأولى لهذا التيار من شريحة العملاء التي أهلتها إسرائيل لتنشط في تحويل السجون إلى ما يشبه الحيين العالميين في باريس، الحي اللاتيني وحي سهويتو. أو بمعنى آخر؛ لإيصال السجناء إلى حالة اللا إنتماء. وفعلا قامت بإدخال العديد من الروايات الأدبية مثل «سن الرشد» لـ، كولن ولسون و «الجراد» لـ، جان بول سارتر. أما من الكتاب العرب فقد أدخلت ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة «بين القصرين» و «القاهرة في الليل» التي تصور المسلم لا مبالي بأي شيء. كما أدخلت بعض الروايات الأدبية للمؤرخ جورجي زيدان [1] .
(1) مقابلة مع سجين سابق رفض ذكر اسمه - 10/ 2/1999.