ولِمَن قُدِّر له التعرف على شخصية هذين الرجلين سيكتشف أنه أمام شخصية واحدة انشطرت إلى نصفين، فمنذ تعرفا وعملا معا لم يفترقا ولم يختلفا، وبلغ الاندماج بينهما حد التماثل وحد الموت. وفي الثورة خاضا المعارك كلها معا. وكان ظهور أحدهما في أحد المواقع أثناء المعارك يكفي «لرفع معنويات جيش بكامله حسبما يصرح به أصدقاءهما» . وبسبب عملهما في «القطاع الغربي» ، المؤسسة التي تضم لجانا عدة مهمتها العمل في الأرض المحتلة، أجادا التنظيم والقدرة البارعة على التخفي وطوَّرا وسائل الاتصال ومارسا العمل الميداني بالتناوب دون انقطاع. وعلى المستوى الفردي لا يندهش المرء للهدوء والقناعة التي تميزهما بل للابتسامة والدفء الذي لا يفارقهما وللود تجاه الآخرين حتى لو كانوا خصوما، وللأخلاق السامية التي لم تنحدر يوما لتمس من إخلاصهما وصدقهما وللعمل بلا كلل أو ملل تحت كل الظروف، بل وأصعبها. ومع كل ذلك يبقى ثمة فارق أساسي بينهما هو تميز محمد بحيص بالقيادة الصارمة والمراقبة الدقيقة والمستمرة ومتابعة أدق التفاصيل عن فعاليات العمل. وهذا ما كان يقرّ به كل «التيار» الذي أسسه أبو حسن قبل غيره. وبعد اغتيالهما تبينت جسامة الخسارة التي تعرضت لها «السرايا» بالنظر إلى الخبرة الهائلة لكليهما والتي ما كانت متوفرة للآخرين لا في «التيار» ولا في «السرايا» . لهذا فالمعالجة لهذه المجموعة ستطول لاسيما وأنها انطلقت من الأيديولوجية الماركسية إلى الإسلام الجهادي في ظروف صعبة ومعقدة تغطي جانبا خفيا من تاريخ حركة «فتح» والثورة الفلسطينية بعد الخروج من الأردن.
ترتبط نشأة هذه المجموعة، التي ستتحول إلى تيار واعد، بأزمة حركة «فتح» والمقاومة الفلسطينية بعد الخروج من الأردن (1970) وخسارة أطول وأهم ساحة مواجهة مع إسرائيل. وهذا يعني فشل لنظرية «التوريط» التي عبرت عنها «فتح» لدى انطلاقتها والتي كانت تستدعي في إحدى مضامينها تهيئة الظروف المناسبة لجر إسرائيل والدول العربية، المحيطة بفلسطين، إلى حرب شعبية مجالها الجغرافي والديمغرافي الأردن بالدرجة الأساس، ثم لبنان وسوريا ومصر. غير أن هذا المخطط قُضِي عليه بهزيمة المقاومة الفلسطينية وإخراجها من الساحة الأردنية بحيث مثلت الخسارة هذه حلما تحطم في المهد ووضع المقاومة أمام المأزق التاريخي. البديل؟ فتجلت الأزمة بنوع من اليأس والقنوط وتراجع في فعاليات العمل الفدائي وازدياد الهجمات الإعلامية والسياسية والأيديولوجية [1] لحمل الثورة على التخلي عن مسار انطلاقتها بتحرير كامل فلسطين والقبول سريعا بمبدأ التسوية السياسية للصراع. وفي هذا الإطار انفجرت حرب سجالية من الحوارات السياسية والأيديولوجية بين المنظمات الفلسطينية كان كبار القادة ومفكري الثورة في طليعتها. ولم تنج الفصائل ذاتها على المستوى الداخلي من هذه الحرب التي استعرت حدتها. ومن الطبيعي أن تكون أكثر حدة داخل «فتح» كبرى المنظمات وصاحبة القيادة حيث نشطت الحوارات على مستوى القيادات الوسطى وبعض القيادات العليا لتسفر عن تبلور تيار معارض للخط الأيديولوجي والسياسي للحركة والقيادة العليا على السواء ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى الانقلاب
(1) كشك (محمد جلال) .- الثورة الفلسطينية - مرجع سابق/ ص 11 - 28